استاذي الفرنسي
عام 5891 كنت بصدد المراحل الأخيرة من اعداد رسالتي لدبلوم الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في جامعة السوربون في باريس، ولم أكن مقيما فيها بل كنت اسافر اليها كل بضعة أشهر للقاء الأستاذ المشرف؛ وكان موضوع الرسالة “تعريف الدولة اللبنانية ووظائفها”. اثناء مناقشتي مع استاذي، كنت ادافع بكل ثقة عن فكرة ضعف تماسك الدولة والمجتمع في لبنان، وكونه أقرب الى التفكك بفعل طبيعة النظام السياسي الطائفي وعوامل أخرى، وكان دليلي الذي لا يقبل الدحض هو الحرب “الاهلية”، بما في ذلك نسختها المحلية في طرابلس (جبل محسن وباب التبانة) التي كان في ذروتها آنذاك؛ أضف الى ذلك الحروب الأخرى المتزامنة (وكان الاجتياح الإسرائيلي لعام 2891 لا يزال حاضرا بقوة). فاجئني استاذي بسؤال لم أجد له جوابا قاطعا، قال: “اذا كانت دولتكم ومجتمعكم هشّا على النحو الذي وصفته، فكيف لا يزال بلدكم موجودا ودولتكم ومؤسساتكم قائمة على الرغم من التعثر؟”، وأضاف: “لو حصل في بلدان اخرى ربع ما حصل في لبنان خلال العقد السابق، لكن كثير منها قد تفكك وانقسم وربما زال من الوجود.”
كان ذلك بمثابة جرس انذار بالنسبة إلي. فما كنت اعتقد انه حقائق ثابتة ان لم نقل بديهية، تبين انه تشوه سياسي مؤدلج، تكشفت نقاط ضعفه عندما واجه مقاربة من خارج المنظومة الفكرية التي يقوم عليها. وهو ما طرح امامي التحدي المتمثل بتوسيع منظور الفهم والتحليل، وايلاء أهمية أكبر للظاهرات والديناميات المجتمعية بمكوناتها المتباينة، لا بل بقطبيها المتناقضين أحيانا. هذا هو الطريق لتجنب الانحيازات المسبقة، ومغادرة حيز الراحة والاكتفاء الذاتي الفردي او الجماعي الخاص بالجماعة الفكرية او السياسية او حتى المكانية التي أنتمي اليها. بتّ أكثر تنبّها الى عناصر أخرى في نسيج العلاقات الاجتماعية تؤشر على نحو أوضح الى وجود عناصر تماسك وتضامن بين اللبنانيين اكثر حضورا وقوة وفعالية مما يبدو لأول وهلة؛ كما تكشف عن وجود ديناميات مجتمعية موحٍّدة فاعلة في نسيج المجتمع اللبناني، تتجلى بقوة ووضوح في فترات او مراحل معينة، قادرة على التغلب على مظاهر الانقسام والتفكك الاجتماعي.
الفرضية
فرضيتي الرئيسية هنا هي التالية: ان العلاقات والديناميات المجتمعية المتعددة المستويات (اقتصادية، اجتماعية، سياسية، ثقافية، مكانية…الخ)، التي تشكل المسار “الطبيعي” الغالب لتطور العلاقات الاجتماعية في لبنان منذ تشكل لبنان الكبير والاستقلال، هي ديناميات تفاعل وتضامن موحٍّدة للمجتمع ضمن نطاق الدولة اللبنانية. اما ديناميات وعلاقات التفكك والانقسام المتعددة المستويات أيضا، فهي بشكل غالب مقحمة على المسار “الطبيعي” من دائرة السياسي والايديولوجي أكثر مما هي تعبير موضوعي عن المسار المجتمعي العميق، وهي تستغل بعض عناصر الخلل في الهياكل والعلاقات المجتمعية وفي النظام السياسي، وتستخدمها للهيمنة على المسار التضامني الموحِّد للدولة والمجتمع. وهذا الوصف ينطبق في اعتقادي على دول أخرى أيضا.
صراع ديناميات
ان الصراع الدائر حاليا في لبنان هو في أحد جوانبه المتعددة، صراع بين دينامية التفكك والانقسام من جهة أولى، ودينامية التضامن والتوحّد من جهة ثانية. ان مصدر القوة الرئيسي في المسار الموحِّد والتضامني تكمن في المجتمع ونسيجه الاجتماعي والمدني؛ في حين ان مصدر القوة الرئيسي للمسار التفكيكي هو في النظام السياسي وفي مراكز القوة والسلطة الكامنة في الدولة العميقة ومؤسساتها، او في مراكز القوة والسلطة الكامنة خارج المؤسسات التي استولت بشكل متدرج على المؤسسات الدينية والإعلامية، وعلى الهياكل النقابية وعدد غير كبير من مؤسسات المجتمع المدني، في مسعى دؤوب لتحويلها من آلية تضامن وتوحيد قائم على المصالح وقيم المواطنة وحقوق الانسان في آن، الى آلية تقسيم افقي وعمودي للوعي والسلوك والتشكّل الاجتماعي. وعلى الرغم من الصورة الخارجية الغالبة لهيمنة ديناميات الانقسام والتفكيك، فإنه في اللحظة التي تضعف فيها قبضة المستفيدين من ذلك من أصحاب السلطة الحقيقيين، تظهر مباشرة قوة التضامن المجتمعي لاسيما في لحظات الكوارث الكبرى، او لحظات التفاؤل بتغيير إصلاحي سواء كان واقعيا او متخيلا.
شواهد تاريخية اقليمية
لكن، هل هناك شواهد تاريخية تدعم مثل هذا التحليل الذي يفترض ان ديناميات وسرديات معينة قد تسود عقودا طويلا متواصلة، لنكتشف في لحظة ما “مفاجأة” ان الديناميات النقيضة التي نتوقع ان تكون قد اندثرت تعود الى الحياة، او بالأصح تخرج من كمونها او سباتها القسري؟
اعتقد ان ذلك قد حصل فعليا. لقد أُجهض مشروع النهضة العربية الحداثي مطلع القرن العشرين، وكذلك “خنقت” الومضات الليبرالية في اكثر من بلد عربي بعد الاستقلال. وسادت على امتداد خمسة او ستة عقود متواصلة سردية تعاقبت عليها تيارات قومية واشتراكية وتقليدية وإسلامية وموجات من الاستبداد المتعدد الاشكال، الى حد بات من الشائع اعتبار ان المشروع الحداثي، بما في ذلك الليبرالية السياسية، هو مشروع مستحيل في بلداننا لسبب هيكلي وعضوي يتعلق بطبيعة العقل العربي والمجتمعات العربية، وفق تفسير شائع. الا انه في نهاية عام 0102 ومطلع عام 1102، ثم في 8102/9102 انفجر الربيع العربي في موجات شعبية غير مسبوقة هي الأكثر جماهيرية وامتداد من أي حركة جماهيرية وشعبية أخرى في تاريخ المنطقة المعاصر. وكان محرك هذه الثورات او الانتفاضات هو المطلب الحداثي والليبرالي والحقوقي النقيض للاستبداد وغياب العدالة وانتهاك الحقوق، كما يعبّر عن ذلك المطلب المشترك لكل هذه الحراكات وهو “الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة”. فما افترضته الإيديولوجيات السائدة انه قد مات وانقرض منذ وقت طويل، إذا به الدينامية الأكثر حيوية في تاريخ مجتمعاتنا، وإذا به المطلب الشعبي الأكثر انتشارا بما يفوق مجموع الأيديولوجيات والنماذج القومية والدينية والتقليدية والاشتراكية معا.
شواهد لبنانية
اما اذا انتقلنا الى الحالة اللبنانية، فليس اكثر دلالة من قوة ديناميات التضامن والتوحد من سلسلة الحراكات والانتفاضات الشعبية التي تعاقبت خلال العقدين الأخيرين، بدءا من حراك 5002 الذي غلب عليه الطابع السياسي المباشر وأدى الى خروج القوات السورية من لبنان، وصولا الى حراك 5102 وشرارته ازمة النفايات، الى حراك/ثورة 71 تشرين 9102، الى استجابة المجتمع اللبناني الى انفجار المرفأ عام 0202 حيث كانت المنطقة المحيطة بمكان الانفجار تفيض بمئات، بل آلاف الشابات والشبان الذي وفدوا من كل لبنان حاملين مكانس ومجارف من بيوتهم لكي يزيلوا آثار الانفجار. والأمر نفسه ينطبق على استجابة اللبنانيين افرادا، وجماعات في تشكلاتهم والمحلية الاجتماعية المختلفة في احتضان النازحين بسبب الحروب الإسرائيلية على الجنوب المتعاقبة أعوام 3991، 6991، 6002 4202، 6202. ولا يستطيع خطاب الكراهية السياسي والايديولوجي من جانبي الاستقطاب السياسي الداخلي ان يحجب هذه الحقيقة: ان الاستجابة العفوية للناس والجماعات المحلية في كل لبنان، هي التضامن والاحتضان والحفاظ على نسيج العلاقات الانسانية مهما كانت الخلفيات والدوافع، سواء من النوع التقليدية والأخلاقي، او من النوع المدني او الحقوقي.
هذه هي ثقافة المجتمع بما هو الناس والجماعات المحلية، الذي يبرز ويسود في لحظات الامتحان الصعبة. اما خاطب الكراهية والانقسام والتفكيك، فهو خطاب أيديولوجي وسياسي مفروض تتجند من اجل تعميمه الجماعات السياسية مستخدمة امكانياتها الهائلة من مال وسلاح ومنافع وزبائينة وفساد، مستغلة الى الحد الأقصى فشل السياسيات في حل الازمات المتنوعة، ومستغلة هيمنتها على المؤسسات والاعلام والفضاء السياسي والاجتماعي العام، ومستندة الى هيمنة مزمنة لخطابها على امتداد أربعة او خمسة عقود، بما في ذلك استحواذها على الآليات المدنية التي يمكن ان تغذي ديناميت التوحد الوطني لاسيما تحويل النقابات كلها الى ظلال لأطراف السلطة وصدى اجوف لخطابهم، وتدجين الأحزاب المعارضة التي شكلت في فترة ما عنصر تغيير وإصلاح في المجتمع.
… والمجتمع المدني
اما وقد تم افراغ المؤسسات النقابية والحزبية من دورها في توليد وتطوير ديناميات الحداثة المدنية والمواطنية، وهذا أمر مؤسف، فهذا يترك الافراد والمجموعات ذات الأفكار الحداثية، ومنظمات المجتمع المدني الحقوقية، تحت ضغط القيام بهذا الدور في ظل غياب حركات سياسية وحركات اجتماعية منظمة ذات امتداد شعبي تعمل في هذا الاتجاه: اتجاه الحداثة والديمقراطية والمواطنة والعدالة وحقوق الانسان.
ان الأصل في علاقات الناس هو التضامن والوحدة وثقافة الحياة المشتركة. اما خطاب التفكيك والكراهية والتقسيم هو خطاب مفروض قسرا وليس الأصل او الأساس.
أديب نعمه
مستشار أقدم لدى شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية



Leave a Reply