من التضامن العابر إلى الثقة المستدامة عبر تجديد العقد الاجتماعي
في كل أزمة كبرى، تكشف المجتمعات عن أفضل ما فيها. ففي أنحاء مختلفة من المنطقة العربية، أظهرت الحروب، والاحتلال، والانهيارات الاقتصادية، والكوارث الإنسانية قدرة لافتة على التضامن والتكافل. فتحت العائلات أبوابها للنازحين، وتقاسم الجيران ما تبقى لديهم من غذاء ودواء، وسارع المتطوعون ومنظمات المجتمع المدني إلى تنظيم حملات الإغاثة، بينما تكفلت المبادرات المحلية بتوفير خدمات أساسية عندما عجزت مؤسسات الدولة عن القيام بذلك.
لكن ما إن تنحسر الأزمة حتى يبدأ هذا التضامن بالتراجع، وتعود الانقسامات السياسية والاجتماعية إلى الواجهة، وتتآكل الثقة بين المواطنين وبينهم وبين الدولة. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا تنجح مجتمعاتنا في التضامن خلال الأزمات، لكنها تعجز عن تحويل هذا التضامن إلى تماسك اجتماعي دائم؟
تكمن الإجابة في أن الأزمات لا تخلق الانقسامات، بل تكشف الانقسامات التي تراكمت قبلها. فهي لا تدمر التماسك الاجتماعي بقدر ما تكشف هشاشة العقد الاجتماعي القائم، وحجم الفجوة بين الدولة والمجتمع، وبين ما ينتظره المواطنون من مؤسساتهم وما تقدمه لهم هذه المؤسسات فعليًا.
فالتمـاسك الاجتماعي لا يعني غياب الاختلافات أو النزاعات، ولا يقوم على فرض التجانس بين أفراد المجتمع. بل يتمثل في قدرة مجتمع متنوع على إدارة اختلافاته بصورة سلمية، وفي شعور أفراده بأنهم ينتمون إلى مشروع وطني مشترك، وأن حقوقهم مصانة، وكرامتهم محترمة، وفرصهم متكافئة، وأن مؤسسات الدولة تعمل لخدمة الصالح العام لا لخدمة فئات بعينها. لذلك، فإن الثقة ليست نتيجة للخطابات أو الشعارات، بل ثمرة مؤسسات عادلة وسياسات منصفة وعلاقات قائمة على المواطنة المتساوية.
ولا يمكن فهم أزمة التماسك الاجتماعي في المنطقة العربية بمعزل عن الاقتصاد السياسي الذي يحكمها. فقد أدت عقود من السياسات الاقتصادية غير العادلة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع جودة التعليم والخدمات الصحية، واتساع رقعة العمل غير اللائق، وتهميش المناطق الريفية والأطراف، إلى إضعاف شعور المواطنين بالانتماء والمساواة. كما ساهم تضييق الحيز المدني، وضعف المساءلة، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة في تعميق الاستقطاب العمودي بين الدولة والمجتمع، والاستقطاب الأفقي بين مكونات المجتمع نفسه.
وتشير استطلاعات الباروميتر العربي خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع مستويات الثقة بالمؤسسات العامة والأحزاب السياسية في معظم البلدان العربية، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا يتحول التضامن الذي يولد في لحظات الخطر إلى شعور بالإحباط بمجرد انتهاء الأزمة. فالثقة لا يمكن أن تستدام إذا بقيت الأسباب البنيوية لانعدامها قائمة.
وتقدم تجارب لبنان وفلسطين وسوريا تعبيرات مختلفة عن هذه المعضلة. ففي لبنان، أوقف اتفاق الطائف الحرب، لكنه لم يؤسس لعقد اجتماعي جديد يعالج جذور الانقسام ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. وفي فلسطين، تؤكد التجربة أن إعادة الإعمار، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تنتج سلامًا أو تماسكًا اجتماعيًا في ظل استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية. أما في سوريا، فتبرز بوضوح حقيقة أن إعادة بناء المدن والبنى التحتية لا تعني تلقائيًا إعادة بناء العلاقات بين المواطنين أو استعادة الثقة بالمؤسسات. ورغم اختلاف السياقات، فإن الرسالة واحدة: إعادة بناء الحجر لا تكفي لإعادة بناء المجتمع.
وقد أثبتت تجارب دول أخرى، من جنوب أفريقيا إلى رواندا وكولومبيا، أن اتفاقات السلام وإعادة الإعمار لا تصبح مستدامة إلا عندما تقترن بعملية سياسية واجتماعية تعيد تأسيس العلاقة بين المواطنين والدولة على أسس جديدة من العدالة والمساءلة والمشاركة. فالمصالحة ليست حدثًا، بل مسار طويل لإعادة بناء الثقة.
من هنا، ينبغي ألا يقتصر التعافي على إعادة إعمار ما دمرته الحروب أو إنعاش الاقتصاد. فالتعافي الحقيقي هو عملية لإعادة بناء الثقة، وتجديد العقد الاجتماعي، واستعادة شرعية المؤسسات. والعقد الاجتماعي ليس وثيقة قانونية أو تسوية سياسية فحسب، بل هو اتفاق مجتمعي متجدد يضمن أن يشعر جميع المواطنين بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الدولة تحمي كرامتهم وتستجيب لاحتياجاتهم وتتيح لهم المشاركة في صنع مستقبلهم.
ولا يمكن لهذا العقد الاجتماعي أن يستعيد شرعيته ما لم يقم على مفهوم شامل للعدالة. فالعدالة ليست فقط مساءلة عن انتهاكات الماضي أو تطبيقًا للقانون، بل تشمل أيضًا العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والعدالة الجندرية، والعدالة البيئية، والعدالة بين الأجيال. وهي تعني مكافحة جميع أشكال التمييز، وضمان الحماية الاجتماعية الشاملة، والتغطية الصحية الشاملة، والأمن الغذائي، والتعليم الجيد، والعمل اللائق، وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال، وبين المناطق الحضرية والريفية، وبين الأجيال الحالية والقادمة.
وفي هذا السياق، ينبغي إعادة الاعتبار للسلام بوصفه منفعة عامة وشرطًا أساسيًا للتنمية، لا مجرد غياب للحرب. فقد استنزفت عقود من الحروب والاحتلال والنزاعات المسلحة الموارد التي كان يمكن استثمارها في التعليم، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، والابتكار، والتنمية الاقتصادية، وأنتجت دوائر متواصلة من الفقر واللامساواة والنزوح والعنف. كما غذّت الحروب والاحتلال والنزاعات المسلحة خطابات الكراهية والاستقطاب، وعمّقت الانقسامات داخل المجتمعات، وأسهمت في إضعاف التماسك الاجتماعي وتقويض الثقة بين المواطنين. فلا تنمية مستدامة من دون سلام، ولا سلام مستدام من دون عدالة، ولا عدالة من دون مؤسسات تحظى بثقة مواطنيها.
إن المنطقة العربية لا تفتقر إلى التضامن، ولا إلى الصمود، ولا إلى المبادرات المجتمعية الخلاقة. لكنها تفتقر إلى القدرة على تحويل هذا التضامن المؤقت إلى ثقة دائمة، والثقة إلى مؤسسات شرعية، والمؤسسات إلى عقد اجتماعي متجدد. وهذه هي المهمة الحقيقية لإعادة الإعمار والتعافي وبناء السلام.
فالاختبار الحقيقي للتماسك الاجتماعي ليس في قدرة المجتمعات على التكاتف عندما تقع الكارثة، فقد أثبتت مرارًا أنها قادرة على ذلك. وإنما في قدرتها على بناء مؤسسات عادلة، ومواطنة متساوية، وسياسات تنموية شاملة تجعل التضامن الذي يولد في لحظات الألم جزءًا من الحياة اليومية، لا استجابة استثنائية لظروف استثنائية. فالمجتمعات لا تُعاد بناؤها عندما تتوقف الحروب أو تُشيد المباني، بل عندما يستعيد المواطنون ثقتهم بأن مستقبلهم مشروع مشترك، يقوم على السلام، والعدالة، والكرامة، والمواطنة المتساوية.
زياد عبد الصمد
عضو المجلس الاستشاري الدولي في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة، والمدير التنفيذي للشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية



Leave a Reply