“إنّ الاستقلال الحقّ لا يؤخذ ولا يعطى، إنّ الاستقلال يُبنى” – فؤاد شهاب
أبدأ بتلك المقولة للرئيس الأمثولة، كون عهده هو العهد الوحيد الذي حاول بناء دولة الإستقلال، وحورب من أكلة الجبنة بحسب تعبير الرئيس نفسه.
هذه حقيقة يتجنّب اللبنانيون مواجهتها منذ أكثر من قرن. فبين إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 وإعلان الاستقلال عام 1943 إلى يومنا هذا، نشأت جمهورية على الورق، لا على مشروع دولة. وما زال اللبنانيون يدفعون ثمن تلك الفجوة التأسيسية حتى اليوم
بعد 1920، بُني كيان جغرافي من دون بناء مشترك للهوية السياسية. جمعت حدود واحدة جماعات لم تلتقِ على عقد وطني واضح. لا أنتج الانتداب دولة، ولا استطاعت النخب المحلية صياغة رؤية جامعة. تشكلت مؤسسات شكلية، بينما بقي الولاء الأول للطائفة والزعيم والمحمية الخارجية. ورثنا هذا الإرث الذي خلق دولة بلا مجتمع سياسي، وجمهورية بلا مواطنين
عام 1943، بدت لحظة الاستقلال كأنها تتويج لمسار سيادي، لكنها أخفت تحتها المعضلة ذاتها: تفاهم نخبوي هشّ لم يعالج جوهر المشكلة. الميثاق الوطني لم يؤسس لعقد اجتماعي، بل كرّس قواعد تقاسم نفوذ بين زعامات طائفية. وبذلك تحوّل الاستقلال إلى صفقة سياسية، لا إلى بناء دولة. ومنذ ذلك الحين، عشنا في جمهورية متعثّرة تخشى مواجهة سؤالها المؤجَّل: من نحن؟ وما هي الدولة التي نريد؟
تغيّرت الظروف الإقليمية والدولية، وتبدّلت التحالفات، لكن البنية العميقة للمأزق بقيت ثابتة. نسأل أنفسنا اليوم: لماذا تعيد الأزمة إنتاج نفسها؟ لأن المشكلة ليست في الحكومات، بل في الفكرة نفسها التي قامت عليها الجمهورية. دولة بلا مركز قرار، نظام سياسي يوزّع السلطة بدل أن ينتجها، ومجتمع تُدار فيه الانقسامات بدل أن تُعالج.
كل مرة حاول فيها اللبنانيون إصلاح النظام، أعادهم الواقع إلى النقطة نفسها. من الحرب الأهلية إلى اتفاق الطائف، من الانسحاب السوري إلى الانهيار المالي، ظلت البنية الطائفية تحكم كل محاولة للتغيير. أنت ترى النتائج: مؤسسات مشلولة، اقتصاد ريعي، شباب يهاجرون، دولة عاجزة عن فرض القانون أو حماية مواطنيها. وتبقى العلّة الأصلية كما هي: غياب مشروع وطني جامع ينقل لبنان من الطوائف إلى الدولة.
نحن اليوم أمام سؤال استراتيجي: هل يمكن إعادة بناء الجمهورية؟ الجواب يبدأ بإرادة سياسية لا تخضع لحسابات الخارج، وبقرار داخلي يعترف بأنّ الطائفية ليست قدراً بل خيار. يبدأ عندما نسأل أنفسنا: أي دولة تريد أن نعيش فيها؟ دولة الحقوق والمواطنة، أم دولة الزبائنية والخوف؟ دولة المؤسسات، أم جمهورية الصفقات؟
لا يبنى الاستقلال إلا حين يصبح مشروعاً يومياً. حين يدرك اللبنانيون أنّ الخلاص لا يأتي من الخارج ولا من الزعيم، بل من إنتاج عقد وطني جديد. عقد يؤسس لنظام سياسي مدني، يحرر السلطة من المحاصصة، ويعيد تعريف الدولة كمساحة مشتركة لا كإقطاعيات موزّعة.
منذ 1920 حتى اليوم، ظلّ لبنان يعيش في ظلّ جمهورية مؤجّلة. وإذا أردنا أن نكسر هذه الحلقة، علينا أن نبني استقلالاً حقيقياً هذه المرة: استقلالاً يصنعه المواطن، ويثبته الدستور، وتدافع عنه المؤسسات. عندها فقط، تكفّ الجمهورية عن أن تكون سراباً، وتصبح وطناً يمكن الوثوق به
الدكتور سيمون كشر
مدير مؤسس مرصد الحوكمة الرشيدة والمواطنة وأستاذ في قسم العلوم السياسية والإدارة العامة في الجامعة الأمريكية في بيروت. يحمل الدكتور كشر درجة البكالوريوس والماجستير في الإدارة العامة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية.



Leave a Reply