حين نعود إلى تاريخ لبنان السياسي الحديث، يبدو واضحًا أنّ اللحظة الوحيدة التي قارب فيها لبنان مفهوم الاستقلال بمضمونه المؤسساتي كانت في عهد الرئيس فؤاد شهاب. فقد أدرك شهاب أنّ الاستقلال لا يكتمل بالمعنى السياسي وحده، ولا يُكتسب بمجرد خروج الانتداب، بل يتجسّد عبر بناء مؤسسات قوية تحمي الدولة من عوامل التفكك الداخلي والضغوط الخارجية. بالنسبة إليه، كانت مأسسة الدولة هي الطريق الوحيد لترسيخ السيادة الفعلية، وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق لا الولاءات، والقانون لا الزبائنية.
لقد حاول المشروع الشهابي أن يربط بين الاستقلال وبين بناء جهاز إداري محترف، وإطلاق أجهزة رقابية فاعلة، وتعزيز دور الدولة الاجتماعي والتنموي. وكانت فلسفته السياسية ترى أنّ الدولة القوية ليست نقيض الطوائف، بل الضامن الوحيد لحقوقها، وأنّ المؤسسات هي الحصن الذي يمنع الانهيارات السياسية والمالية والأمنية. ورغم أن التجربة الشهابية لم تكتمل بفعل المقاومة الشرسة التي واجهتها من مراكز النفوذ التقليدية، فإنّها بقيت النموذج الأكثر اقترابًا من فكرة “الاستقلال المستدام”، أي الاستقلال المبني على الشرعية المؤسساتية لا على مظاهر السلطة.
فمنذ أن نال لبنان استقلاله في عام 3491، بقيت فكرة الاستقلال أسيرةَ مفارقة لافتة: نحن نحتفل بذكرى سياسية رمزية، لكننا لا ننجح في تحويل هذه الرمزية إلى مشروع دولةٍ مكتملة الأركان. فالاستقلال، في جوهره، ليس حدثًا يُستعاد سنويًا، بل عملية تاريخية مستمرة تتجدد في كل لحظة تُختبر فيها قدرة الدولة على فرض سيادتها، تعزيز مؤسساتها، وإرساء قواعد الحكم الرشيد.
في عالمٍ متحوّل، بات الاستقلال الحقيقي يُقاس بمدى امتلاك الدولة لقدرتها على اتخاذ القرار، وحماية مؤسساتها من التفكك، وتحصين جهازها الإداري والقضائي من الفساد والتدخلات. فالدولة التي لا تمتلك مؤسسات صلبة وشفافة، تصبح سيادتها هشّة، ويمكن لأي فراغ سياسي أو ضغط خارجي أن يهدد استقرارها. وهذا بالضبط ما شهدناه في العقود الأخيرة، حيث تفاقمت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة انهيار منظومة المساءلة، وتراجع سلطة القانون، وتشتت القرار الوطني بين مراكز نفوذ داخلية وخارجية.
الاستقلال ليس شعارًا… بل بنية مؤسساتية
إنّ الخلل الأساس في التجربة اللبنانية، كما في تجارب عربية أخرى، يكمن في القطيعة بين مفهوم الاستقلال ومفهوم الدولة. فقد بقي الاستقلال محصورًا في رمزيته التاريخية، فيما عجزت الدولة عن بناء مؤسسات تشكل عمودها الفقري: إدارة عامة تحكمها الكفاءة، قضاء مستقل يُطمئن المواطنين ويضمن الحقوق، أجهزة رقابية فاعلة تمنع الهدر والفساد، وبرلمان قادر على التشريع والمحاسبة لا على إعادة إنتاج المحاصصة السياسية.
الدولة التي لا تستطيع التدقيق في حساباتها، أو محاسبة موظفيها، أو ضبط مؤسساتها الأمنية والمالية، هي دولة لا تملك استقلالها الفعلي ولو رفعت شعاراته. ومن هنا تأتي أهمية النقاش حول التدقيق والمساءلة، ليس كمسألة تقنية، بل كأداة لاستعادة السيادة نفسها. فمسار بناء الدولة يبدأ من الشفافية، والمساءلة، وإعادة الاعتبار لمفهوم الخدمة العامة، لا من الصفقات أو التسويات السياسية التي غالبًا ما تحدّ من قدرة الدولة على ممارسة دورها.
بناء المؤسسات: الطريق الوحيد نحو سيادة مستقرة
حين نقول إنّ الاستقلال مشروع بناء مؤسسات، فإننا نضع الإصبع على جوهر الأزمة. فبناء الدولة لا يتحقق بوجود حكومة أو مجلس نواب أو أجهزة أمنية وحسب، بل بوجود منظومة مؤسساتية مترابطة تحكمها ثلاث مبادئ أساسية:
سيادة القانون (1
أي أن يكون القانون هو المرجعية العليا، وليس القوة أو النفوذ أو الانتماء الطائفي والسياسي. القضاء؛المستقلّ هو المعيار الأول للاستقلال الفعلي.
2) المساءلة والشفافية
حيث تخضع السلطة التنفيذية والمالية والإدارية لرقابة فعلية، ويُحاسَب المسؤولون على قراراتهم. ومن دون آليات رقابية قوية—من ديوان المحاسبة، إلى هيئة مكافحة الفساد، إلى لجان البرلمان—تبقى الدولة هشّة وعرضة للانهيارات.
المؤسسات المهنية المحصّنة 3)
أي إدارة عامة قائمة على الكفاءة لا على التوظيف السياسي؛ أجهزة أمنية تعمل وفق عقيدة وطنية؛ وسياسات اقتصادية تُعد بناءً على بيانات دقيقة لا على مصالح ضيقة.
هذه العناصر ليست رفاهية، بل شرط وجود الدولة نفسها. فالدول تُحمى بمؤسساتها لا بشعاراتها. والبلدان التي نجحت في حماية استقلالها في وجه التحديات الإقليمية والدولية، هي تلك التي بنت مؤسسات محكمة قادرة على إدارة مواردها، حماية حدودها، وضمان مصالح شعبها.
الاستقلال في زمن الارتهان المالي والسياسي
في عصر العولمة والارتباطات المالية، لم تعد السيطرة العسكرية الشكلية هي التهديد الأول لاستقلال الدول، بل الارتهان المالي والاقتصادي والسياسي. فعندما تصبح الدولة عاجزة عن وضع سياسات مالية مستقلة، أو تحدد خياراتها بناء على اشتراطات الخارج، أو تتأثر قراراتها بمراكز نفوذ داخلية مرتبطة بمحاور إقليمية، تصبح السيادة مجرد إطار فارغ.
لذلك، فإن استعادة الاستقلال اليوم تعني:
– تحرير القرار الاقتصادي من الاحتكار والزبائنية.
بناء سياسة خارجية مبنية على مصلحة وطنية واضحة لا على الولاءات –
تطوير بنية الدولة بحيث تصبح قادرة على مواجهة الضغوط الدولية من موقع الندية، لا الخضوع. –
نحو استقلال جديد: استقلال المواطن والدولة معًا
لا يمكن أن توجد دولة مستقلة من دون مواطن مستقل. فاستقلال الدولة يبدأ من استقلال الفرد عن الخوف، عن التبعية، عن الفقر، وعن الجهل. والمجتمعات التي تُغيب فيها الحقوق الأساسية ويضعف فيها تكافؤ الفرص، تصبح عرضة للانقسام والتفكك، وبالتالي تفقد قدرتها على حماية استقلالها الوطني.
لذلك، علينا أن نعيد تعريف الاستقلال على أنّه:
استقلال المواطن في قدرته على المطالبة والمحاسبة. –
واستقلال الدولة في قدرتها على الحكم الرشيد. –
واستقلال المؤسسات في عملها المهني بعيدًا عن التدخلات السياسية. –
عندها فقط يصبح الاستقلال فعلًا سياسيًا يوميًا، لا ذكرى تُحيى مرة في السنة.
المحامي أمين بشير
محلّل وباحث سياسي، ومحامٍ مدافع عن حرية الرأي والتعبير تولّى المرافعة في العديد من القضايا المرتبطة بهذا المجال. وهو مناصر لحقوق الإنسان، والطفل، والمرأة، وتعاون مع منظمات حقوقية محلية ودولية، بما فيها شراكات مع الاتحاد الأوروبي، لإعداد دراسات وأبحاث تعزّز العدالة والمساءلة. كما قدّم مساهمات متعددة ضمن مؤسسات المجتمع المدني، وحاز عدّة جوائز وشهادات تقدير من جهات محلية ودولية تقديراً لعمله الحقوقي والبحثي.



Leave a Reply