كيفَ تُبنى الدّولةُ في لبنان عبرَ سياسةِ أمنٍ قوميٍّ تُعيدُ وصلَ السّيادةِ بالإصلاحِ والأمانِ الإنسانيّ؟ هو سؤالٌ محوريّ، إذ إنّ الأمنُ القوميُّ في كلِّ دولةٍ حديثةٍ هو الإطارُ النّاظمُ لصونِ المصالحِ العليا وتحصينِ الكيانِ من الانهيار. لا يقتصرُ الأمن القوميّ على البعدِ العسكريّ، بل يمتدّ إلى الأبعادِ السّياسيّةِ، والاقتصاديّةِ، والاجتماعيّةِ، والثّقافيّةِ، والبيئيّةِ، بحيثُ يكونُ الإنسانُ مركزَهُ وغايتَهُ. لبنان، الذي لم يعرفْ منذ الاستقلالِ سياسةَ أمنٍ قوميٍّ واضحةٍ، ظلَّ أسيرَ المحاصصاتِ، والتّجاذباتِ، وازدواجيّةِ القرارِ، فغابَ عنهُ التّخطيطُ الاستراتيجيّ وغابت المؤسَّسةُ الوطنيّةُ التي تُديرُ الأمنَ بعقلٍ جامعٍ. ونتيجةً لذلكَ، تعطّلتِ السّيادةُ، وتصدّعت المؤسَّساتُ، وفُقدَ الأمانُ الإنسانيّ بمعناهُ الشّامل. أثبتتِ التّجاربُ الدّوليّةُ أنّ الأمنَ القوميَّ في الدّولِ الصّغيرةِ يُبنى على وضوحِ الرّؤيةِ لا على فائضِ القوّة، وعلى توازنٍ بينَ السّيادةِ والإصلاحِ، والحيادِ الإيجابيِّ والانفتاحِ المسؤول. فكما جعلتْ سويسرا حيادَها سياسةً وطنيّة، تستطيعُ لبنانُ أن يجعلَ من حيادِه الإيجابيِّ رسالةً في العالمِ العربيّ والمتوسّطيّ. إنّ العلاقةَ بين الأمنِ القوميِّ والأمانِ الإنسانيّ عضويّةٌ لا انفصامَ فيها. لا أمنَ من دونِ كرامةٍ، ولا كرامةَ من دونِ دولةٍ عادلةٍ وقادرةٍ. والسّؤالُ المطروحُ: هل يستطيعُ لبنانُ بعدَ قرنٍ من الأزماتِ أن ينتقلَ من منطقِ الأمنِ بالوكالةِ إلى الأمنِ بالمسؤوليّةِ الوطنيّةِ؟
إنّ قراءةُ تاريخِ لبنانَ من منظورِ الأمنِ القوميِّ تكشفُ أنّ الدّولةَ لم تُحسنْ يومًا حمايةَ ذاتِها من التّجاذباتِ. من الميثاقِ الوطنيّ الذي أنشأ تسويةً هشّةً بينَ الهويّتَين، إلى أزمةِ (1958) التي كشفت ضُعْف التّوازنِ الداخليّ وتدخّلَ الخارج، ثمَّ اتفاقِيّة القاهرة (1969) الكارثيّة، وصولًا إلى الحربِ الأهليّةِ التي دمّرت فكرةَ الدولةِ نفسها. بعدَ اتّفاق الطّائفِ (1989)، وُضعتِ الدولةُ تحتَ احتِلالٍ سوريّ كرّس الأمنَ الصّامتَ بلا سيادةٍ. ثمّ بعدَ عام (2005)، حلّت ازدواجيّةُ “الدّولة واللّادولة” حيثُ أمسكَ حزبُ الله بقرارِ الحربِ والسّلم. الحربُ السّوريّةُ عام (2011) عمّقت الانقسامَ، وأضاعَ لبنانُ حيادَهُ الذي تبلور في إعلان بعبدا (2012)، فيما تراجعتْ الثّقةُ الشعبيّةُ بالمؤسَّساتِ
ثورةُ 17 تشرين 2019 كانت تمرينًا على الإمكانِ الضّائعِ؛ تجاوزَ فيها المواطنات والمواطنونَ الطّوائفَ، وطالبوا بالسّيادةِ والإصلاحِ معًا. لكنّ هذا التّمرين اصطدم ببنيةٍ طائفيّةٍ متماسكةٍ. ثمّ جاءَ انفجارُ مرفأ بيروت (2020) ليفضحَ انهيارَ منظومةِ الأمنِ بكاملِها. إداريًّا، ومادّيًّا، وأخلاقيًّا. بينَ (2019) و(2025)، تكثّفَ الانهيارُ لكنْ ظهرتْ أيضًا بوادرُ التحوّلِ مع انتخابِ العمادِ جوزاف عون رئيسًا وتشكيلِ حكومةِ القاضي الدّكتور نواف سلام، حيثُ طُرحَ مجدّدًا شعارُ «حصرِ السّلاحِ بالدّولة»، والحيادِ الإيجابيّ وإطلاقِ استراتيجيّة أمن وطني شاملة. التّجربةُ تحكي أنّ التّسوياتِ لا تصنعُ أمنًا ولا سيادةً، وأنّ الأمانَ الإنسانيَّ ينهارُ كلّما غابتِ الرّؤيةُ الدستوريّةُ للدّولة. الأمنُ القوميُّ الحقيقيُّ هو منظومةُ عدالةٍ وثقةٍ، ومؤسّساتٍ تحكمُها المصلحةُ الوطنيّةُ لا المحاور
لبنانُ ليسَ مجرّدَ مساحةٍ ضيّقةٍ على الخريطة، بل مفصلٌ حضاريٌّ يلتقي فيه الشرقُ والغربُ. جغرافيًّا، هو مكشوفٌ على العواصفِ، وتاريخيًّا هو حاملٌ لذاكرةٍ متعدّدةٍ تحتاجُ إلى توحيدِ المعنى. ولأنّ الجغرافيا قدرٌ حين تغيبُ الرؤية، فإنّ أوّلَ شروطِ بناءِ الأمنِ القوميِّ أن تتحوّلَ هذه الجغرافيا إلى رسالةٍ لا عبء. الدّستورُ اللبنانيُّ هو الوثيقةُ الأولى للأمنِ القوميّ، فهو يربطُ بينَ الحرّيّاتِ والسيادةِ والعيشِ المشترك. حينَ يُقرأُ من منظورِ الأمانِ الجماعيّ، يتّضحُ أنّ العدالةَ الاجتماعيّةَ، والعيشَ المشتركَ، والحيادَ الإيجابيَّ، ليست شعاراتٍ بل أدوات حماية مدنيّة.
يبقى أنّ كلُّ تحوّلٍ في الإقليمِ يُصيبُ لبنانَ مباشرةً. فمنذ صعودِ المحورِ الإيرانيّ بعدَ (2003)، تراجعَ النّظامُ العربيّ وفُقدَ التّوازن، فغدا لبنانُ جزءًا من صراعٍ بينَ مشروعٍ إيرانيٍّ توسّعيٍّ، ومحاورَ عربيّةٍ تبحثُ عن تموضعٍ جديد. الحربُ السّوريّةُ عامَ (2011) دمّرتْ مفهومَ النّأي بالنّفس، إذ انخرطَ حزبُ الله في القتالِ إلى جانبِ النّظامِ السّوريّ، وتدفّقَ اللاجئونَ بالملايين، وتحوّلتِ الحدودُ إلى جبهةٍ مفتوحةٍ. أمّا إسرائيلُ فحافظتْ على “ردعٍ متبادلٍ غيرِ مستقرّ”، جعلَ لبنانَ يعيشُ بينَ حربٍ محتملةٍ وسلامٍ مستحيلٍ. عامَ (2023)، فجّرتْ حربُ غزّة المشهدَ الإقليميَّ مجدّدًا. وجدَ لبنانُ نفسَهُ جبهةً بالوكالةِ في صراعٍ إيرانيّ–إسرائيليٍّ، فيما الدولةُ غائبةٌ عن القرار. وفي ظلّ التّحوّلاتِ الدّوليّةِ بعدَ أوكرانيا والسّعي لصعودِ التعدديّةِ القطبيّة، صارَ بقاءُ لبنانَ فعلَ إرادةٍ ووعيٍ، لا مسألةَ حظّ. لكنّ عامَ (2025) حملَ فرصةً مختلفةً. إنتخابُ رئيسٍ جديدٍ وحكومةٍ تعلنُ صراحةً حصرَ السّلاحِ بالدّولةِ وتبنّي الحيادِ الإيجابيّ. هذا المسارُ، يشكّلُ لحظةَ اختبارٍ حقيقيّةٍ أمامَ القوى الإقليميّة والدّوليّة، التي لطالما جعلتْ من لبنانَ ساحةً لتوازناتها. إنّ تحوّلَ لبنانَ من متلقٍّ إلى فاعلٍ يستدعي بناءَ سياسةِ أمنٍ قوميٍّ مستقلّةٍ تُعيدُ تعريفَ العلاقةِ بينَ الدّاخلِ والخارجِ على أساسِ المصلحةِ الوطنيّةِ وحدَها
غيابَ المرجعيّةِ الموحّدةِ للأمنِ القوميِّ جعلَ لبنانَ ساحةً دائمةً للصّراعات. أمّا اليومَ فالحاجةُ هي لإعلانِ مبادئٍ يُترجمُ روحَ الدّستورِ في حمايةِ الإنسانِ والمؤسَّسةِ والحدودِ معًا، ويُعيدُ تعريفَ السّيادةِ كمسؤوليّةٍ أخلاقيّةٍ لا شعارٍ سياسيّ. من هنا لا بُدّ من أن تنطلقُ المبادئُ المؤسِّسة لسياسة الأمن القومي للبنان من اثني عشرَ محورًا مترابطًا. الأوّل حصرُ السّلاحِ بيدِ الدّولة. الثّاني الحيادُ الإيجابيُّ الواقعيّ. الثّالث احترامُ الدّستورِ واتّفاقِ الطّائف. الرّابع المواطنةُ المتساويةُ. الخامس الشّفافيّةُ والمساءلةُ. السّادس العدالةُ الاجتماعيّةُ كدرعٍ للسيادة. السّابع التّكاملُ بين الأمنِ والدّبلوماسيّة. الثّامن التّعاونُ الإقليميُّ والدّوليُّ المشروطُ بالسّيادة. التّاسع الأمانُ الإنسانيُّ كغايةٍ عليا. العاشر تطويرُ وإصلاح المؤسّساتِ العسكريّةِ والأمنيّةِ. الحادي عشر الأمنُ الرّقميُّ والمعلوماتيّ. الثّاني عشر إنشاءُ المجلسِ الأعلى للأمنِ القوميّ. إنّ تطبيقُ هذه المبادئ يتطلّبُ إرادةً سياسيّةً صادقةً، وتكاملًا بينَ المؤسَّساتِ المدنيّةِ والعسكريّةِ والمجتمعِ المدنيّ والجامعاتِ. الأمنُ القوميُّ لا يُبنى بالقراراتِ وحدَها، بل بالثّقافةِ العامّةِ والوعيِ الجماعيّ. لبنانُ الذي عانى من اللّادولةِ طويلًا، يستطيعُ أن يعيدَ بناءَ دولتهِ حينَ يجعلُ من حمايةِ الإنسانِ جوهرَ سيادتِه، ومن العدالةِ عنوانَ أمنِه، ومن الدّستورِ بوصلةَ مسارِه. في المحصّلة يبقى أنّ الدّولةُ التي تعرفُ نفسَها، لا يُخيفُها التّاريخُ ولا تُضلّها الجغرافيا.
الدكتور زياد الصّائغ
زياد الصّائغ هو زميل أوّل دوليّ في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة والمدير التّنفيذي لملتقى التأثير المدني



Leave a Reply