·

الثقافة والتربية: ركيزتان منسيّتان في مشروع الأمن القومي اللبناني

بينما تتجه الأنظار في لبنان نحو المقاربات السياسية والدستورية لحل أزماته البنيوية، قلّما يُسلّط الضوء على واحدة من أهم الأدوات الاستراتيجية المهملة في مشروع بناء الدولة: الثقافة والتربية. فالهويّة الوطنيّة الجامعة، التي تُطرَح اليوم كشرطٍ للأمن القومي ومقدمة لإعادة تكوين السلطة، لا يمكن أن تولد في فراغ سياسي أو دستوري فحسب، بل تحتاج إلى تربة اجتماعية صلبة تُروى بالتعليم والمناهج التربوية، وتُغذّى بالفن والأدب والخطاب الثقافي العام.

إنّ التركيز على تفكيك المنظومة الطائفية، وبناء الدولة السيدة، وتحقيق السيادة، ضروري ولا جدال فيه، لكنّه يبقى ناقصاً إن لم يُقترن بمشروع ثقافي تربوي طويل الأمد يعيد تشكيل وعي اللبنانيين لذواتهم ولمفهوم “الانتماء إلى الدولة”. فالمواطَنة لا تُفرض من فوق، بل تُبنى من الأسفل، في المدرسة، وفي البيت، وفي الفضاء العام، حيث تتكوّن الرموز والمعايير والقيم التي تُعرّف “من نحن؟” و”من هو الآخر؟” و”ما معنى أن أكون لبنانياً؟”.

أولاً: المدرسة كفضاء تأسيسي للهويّة

منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920، لم ينجح النظام التربوي في إنتاج سردية وطنية جامعة، بل ظلّ أسيراً للمحاصصة الطائفية والسياسية، ما أدّى إلى تشرذم الوعي الجماعي. فالتلاميذ في الجنوب لا يدرسون تاريخاً يشبه ما يدرسه أقرانهم في الشمال أو الجبل، ومناهج التاريخ والتربية الوطنية لم تُحدّث جذرياً منذ اتفاق الطائف، ما جعل الذاكرة الوطنية مقطّعة ومتناقضة. كيف يُمكن لهويّة وطنية أن تتكوّن في ظل هذا التشرذم المعرفي؟

إصلاح النظام التربوي، وبالأخص مناهج التاريخ والتربية المدنية، يجب أن يكون أولوية استراتيجية. فالمعركة من أجل لبنان الدولة لا تُربَح فقط في السياسة، بل في الصفوف الدراسية أيضاً. مناهج تُركّز على القيم المشتركة، على مفهوم الدولة، على تاريخ لبنان الحديث من دون تجميل أو إخفاء أو انحياز، قادرة على تشكيل مواطن جديد، يُعرّف نفسه أولاً بوصفه “لبنانياً” لا ابن طائفة أو زعيم.

ثانياً: الثقافة كأداة أمن قومي

حين نتحدث عن “الأمن القومي” في لبنان، غالباً ما يُقصد بذلك الجانب العسكري أو السيادي فقط. لكن الأمن القومي بمفهومه الشامل يشمل الثقافة باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الانقسام والفوضى والهشاشة. فالثقافة ليست ترفاً، بل بنية تحتية رمزية تؤسس للتماسك الاجتماعي.

لبنان الذي كان يوماً منارة للثقافة العربية، يحتاج اليوم إلى استعادة دوره كرافعة للإنتاج الثقافي، لا كمساحة استهلاك للخطاب الطائفي والإعلامي التجييشي. هنا، يبرز دور وزارة الثقافة، والمؤسسات الفنية، والمسرح، والسينما، والإعلام التربوي، في تقديم رواية وطنية بديلة، تتجاوز السرديات الفئوية المغلقة.

إن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الاستقرار، لأن الثقافة تخلق مشتركاً رمزياً، وتفتح أفق الخيال الجمعي، وتوفّر بدائل سلمية للتعبير والانتماء. من دون ثقافة وطنية جامعة، ستظل الطائفة والزعيم والعائلة هي وحدات الانتماء الأهم، وسيبقى الأمن القومي مهدداً من الداخل.

ثالثاً: نحو مشروع وطني ثقافي تربوي

لا تكفي الدعوات الإنشائية لبناء دولة حديثة في لبنان، ما لم تُرفَق بخطة وطنية لإعادة تشكيل الوعي الجماعي. هذه الخطة يجب أن تكون عابرة للحكومات والطوائف، ويُساهم في صياغتها التربويون والمفكرون والمؤرخون، وليس السياسيون فقط. كما ينبغي أن تكون هذه الخطة منسجمة مع الرؤية الإصلاحية الدستورية والإدارية، لأن لا إصلاح من دون مواطن، ولا مواطن من دون وعي، ولا وعي من دون تربية وثقافة.

لبنان بحاجة إلى مؤسسة وطنية تُعنى بصياغة سردية لبنانية حديثة، تُعيد جمع الذاكرة المبعثرة، وتُركّز على اللحظات الوحدوية في التاريخ اللبناني بدلاً من اللحظات الانقسامية. كما يحتاج إلى إطلاق برامج تعليمية وثقافية تشجع التفكير النقدي، وتحفّز على الانخراط المدني، وتُحيي اللغة العربية بوصفها أداة وحدة لا انقسام، بالتوازي مع الانفتاح على اللغات العالمية بوصفها أدوات معرفة لا تبعية.

الهويّة الوطنية تُصنع… ولا تُفرض

لقد آن الأوان أن ندرك أن بناء الدولة لا يتحقّق فقط بتغيير القوانين أو انتخاب رئيس أو إجراء انتخابات نيابية وبلدية، بل يبدأ من بناء الإنسان المواطن. هذا الإنسان لا يُبنى بشعارات فارغة، بل بتعليم عادل، وثقافة جامعة، وخطاب إعلامي مسؤول، يزرع في الناس الإيمان بأنّهم ينتمون إلى وطن لا إلى طائفة، وأنّ الدولة هي الضامن لا الغنيمة.

من هنا، فإن أي مشروع للأمن القومي في لبنان لا يكتمل من دون ركيزته التربوية والثقافية. وإذا كانت السيادة تُستعاد بالقرار السياسي، فإنّ الهويّة تُستعاد في المدرسة والمسرح والكتاب والفكرة. وهنا فقط، يمكن للبنان أن يصبح فعلاً وطناً ممكناً، لا مجرّد “تعايش هشّ” على هامش الانفجار القادم.

الدكتور سيمون كشر

مدير مؤسس مرصد الحوكمة الرشيدة والمواطنة وأستاذ في قسم العلوم السياسية والإدارة العامة في الجامعة الأمريكية في بيروت. يحمل الدكتور كشر درجة البكالوريوس والماجستير في الإدارة العامة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية.

Leave a Reply

Discover more from The Asfari Institute for Civil Society & Citizenship

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading