·

!لبنان الدّولة … الثّقة والقِيادة الجديدة

إنتهى الشّغور الرّئاسيّ في لبنان على وَقْع زلازل جيو-سياسيّة هائلة في الشرق الأَوْسَط. إنهارَ حلفُ الأقليَّات. تقهقرت الأيديولوجيَّات الثيوقراطيَّة. تفكّكت أساطيرَ الأوتوقراطيَّة. هذه الانهياراتُ والتقهقرات والتفكّكات فَتَحتِ الأُفُق على إعادَة تشكيل الحدِّ الأدنى من الأمَل بِقيامَة لبنان بعد عقودٍ من الوصاية، والاحتِلال، والاستِباحة، وتعميم تحالُف الفساد مع منظومةٍ غير دولتيّة، بل حتَّى ما فوق دولتيّة.

قيَامَة لبنان من خلال إطلاق مسار إستِعادة ميزاتِه التَّفاضُليّة وطنًا للحريّة، والتنوّع، والدّيموقراطيّة، والنّظام الدّيموقراطيّ البرلمانيّ، والعيش معًا. هذه القِيامَة تحتاجُ تشييد أعمِدة الثّقة على كُلّ المستويات الدّستوريّة، والسّياديّة، والسّياسيّة، والإداريّة، والاقتصاديّة، والاجتِماعيّة، والدّفاعيّة، والديبلوماسيّة.

في هذا السّياق، وبمنأى عن المنمّطات أو الفولكلوريّات، لَيْسَ من قِيامَةٍ للبنان دون قِيادَةٍ جديدة، بذهنيَّةٍ جديدة، وسرديَّة جديدة، وأداءٍ جديد يأخُذُ وطن الرّسالة إلى حقيقته الكيانيّة حيث أنّ التّشاركيّة نقيض المُحاصَصَة، والتّوافق نقيض الفيتو، والتّسوية نقيض الصّفقة.

القِيادَة الجديدَة أبْعَد من إنشائيَّاتٍ وجدانيّة، واستِعراضاتٍ تسويقيّة. القيادة الجديدة تستكينُ إلى عملٍ فعَّالٍ صامِت، عماده الحوكمة الرّشيدة، واستِلْهامِ الدّستور نصًّا وروحًا. هذا الاستِلْهام للدّستور مع الالتِزام بمضامينه، وكافّة مندرجاتِه، لا يستوفي شروط نجاحِه إنْ لم يسلُك مساراتِ إحياءِ الثّقة بالدّولة بما هي الرَّاعِية الوحيدَة والضامِنة للعقد الاجتماعيّ الذي يَجْمع بين مكوّنات الشَّعْب اللّبنانيّ، في هويّتها الوطنيّة الواحِدة، لكنْ في اقتِناص مكامِن الغنى التي تختزنِه بتعدّديّتها.

القِيادَةُ الجديدَةُ أرْحَبُ من الغَوْصِ في تقنيّة استِنهاض السُّلْطَة، بل هي تحيا من تصويب مَفْهومِ الحُكْم على أنّه سيرٌ سينودُسيّ، سيرٌ معًا نَحْو الخير العامّ، بحيثُ تسودُ المُساءَلَة والمُحاسبة كي يَنتصِر العَدْل. أوليسَ العَدْل أساسُ الملك؟

القِيادَةُ الجديدَةُ أنقى من أن تَغوصَ في معادلات ترسيخ النّفوذ، أو تصفية الحسابات، لكنّها أجرأُ من أنْ تنحازَ لمصطلح، “عفا الله عمّا مضى”، بل هي مسؤولةٌ عن تشذيبِ كلّ موبِقات مَراحِل سابقة انقضَّت فيها تحالُفاتٌ وتقاطعاتٌ على خيار لبنان الدّولة.


القيادَةُ الجديدة أوْسَع من أن تُكبّلها أكثريّات وأقليّات، يمينيّات ويساريّات، إذا هي مدعوّةٌ لِفَهْم كينونة حقوق الفرد وضمانة الجماعة بالمواطنة الحاضنة للتنوّع، حيثُ تُصان كرامَة كلّ إنسانٍ، وكلّ الإنسان، بل هي مؤتَمَنةٌ على الإنهاء التّدريجيّ لِصراعاتِ القبَضات الحديديّة، وميوعَة أركان التسيّب القانونيّ. القيادة الجديدة لا تحتمل الرّماديّة، والزِّئبقيَّة، والتّرقيع، والمُهادنة، إذ هيَ مرفودَةٌ بشرعيَّةٍ شعبيَّة تحمَّلت الكثير ولم تزل، كي تَشْهد يومًا استتبابَ حُكْم القانون، والسّيادة النّاجزة.


حُكْم القانون يتحقَّق بتفادي التأويلات والتّسويات غير السّويّة. يُحصّن مناعة الحقيقة والحقّ. يرفض تغييب قُوّة القضاء، ويتنّزه عن الانقضاض عليها، أو الانكباب على صوغِ التواءَاتٍ لتطويعه. حُكْم القانون يأبَى شَيْطَنَة الأوادِم أو تسخيفهم. حُكْم القانون يَجِدُّ في السّعي لتعميق ثقافة الأنسنة والسَّلام، وفي صُلبِهما الحريَّة، وحقوق الإنسان.

في هذه الحِقْبَة التّاريخيّة التي يعيش فيها لبنان وشعبُه، من مُقيمين ومغتربين، رجاء بناء الدّوْلة، يبقى أنّ المِعْيار المُفْتاح يتمثَّل بالثّقَة. الثّقة تَصْنع المعجزات. الثّقة يصنعُها نساءٌ ورجالاتُ دَوْلة، ما يعني أنّ إسقاط الشرعيّة والمشروعيَّة عمّن صادروها قانونيًّا، يقتضي الاستِعداد النَّاضِج لتقديم البدائل عن ذلك الموجود البالي. التّداول المنتظم الدّوريّ والسّلمي للسّلطة ضمن الاستحقاقات الدّستوريّة في موعِدها بُوْصلة. العَمَل التّراكميّ أساسيّ.

زياد الصّائغ

زياد الصّائغ هو زميل أوّل دوليّ في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة والمدير التّنفيذي لملتقى التأثير المدني

Leave a Reply

Discover more from The Asfari Institute for Civil Society & Citizenship

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading