أبناء الأردنيات: حتى المزايا لا تورث!

لينا شنك

ربما يبدو منطقيًا لو اشتكى شخص ما، مثل أحمد حمودة، الذي يحمل الجنسية المصرية ومتزوج من امرأة فلسطينية من أبناء قطاع غزة، من أن أطفاله يُعاملون كـ “أجانب” في الأردن، لوجد ألف من يقول له “وما شأن الدولة بذلك؟ ماذا بوسع الدولة أن تفعل لأجنبي يرغب في الزواج من أجنبية على أرضها؟”

بيد أن وصف “الأجنبي” لا ينطبق عليه وزوجته تمامًا، فلنستعرض ما حدث لنعود بعدها ونناقش مشروعية شكواه من عدمها. وُلد أحمد في عمّان في سنة 1982 لأب غير أردني (مصري الجنسية)، وأم أردنية لا تستطيع، بموجب القانون، أن تورثه جنسيتها تلقائيًا، إذ يسمح القانون الأردني للأم بتوريث جنسيتها لأبنائها في حالة واحدة فقط، وهي أن يكون الطفل مولودًا لأب “مجهول الجنسية أو لا جنسية له أو لم يثبت نسبه إلى أبيه قانونًا”.

إدراك أصل المشكلة

حتى يومنا هذا، يُعّد الأردن واحدًا من 24 دولة حول العالم تمارس التمييز ضد النساء فيما يخص حقهن بتوريث جنسيتهن لأطفالهن أسوة بالرجال، فتحد من قدرتهن على تمريرها أو تمنعهن تمامًا. وفي الوقت الذي تقع فيه نصف هذه الدول في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، فقد حقّقت بعض دول الإقليم تقدمًا ملحوظًا في هذا الشأن، مثل مصر، والجزائر، والمغرب، وغيرها.

على سبيل المثال، في عام 2004، قامت مصر بتعديل قانون الجنسية ليُصبح مصري الجنسية من وُلد “لأب مصري أو أم مصرية”. كما اتخذت الجزائر خطوة مشابهة في عام 2005، إذ أجرت تعديلًا على قانون الجنسية يلغي التمييز السابق فيه، إذ اعتبر جزائري الجنسية من وُلد لأب جزائري أو أم جزائرية، بينما ما تزال النساء تُحرم من هذا الحق في دول أخرى في المنطقة مثل لبنان والبحرين وغيرها.

ظل الأردن، هو الآخر، على حاله، مصادقًا على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على المساواة في هذه الحقوق بين الجنسين دون إبداء أي تحفظات، ولكن دون أن يضمن هذه المساواة في قوانينه. كما لم يتخلّ عن تحفظاته المتعلقة ببعض مواد اتفاقية مكافحة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ومنها الفقرة الثانية من مادتها التاسعة التي تنص على منح “المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما”.

وفي معرض تبريره لهذا التمييز، لطالما رد الأردن الرسمي على انتقادات الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بالقول “أنه تم التوافق بين دول جامعة الدول العربية على حظر إعطاء الجنسية من أي دولة عربية للفلسطينيين حفاظًا على الهوية الفلسطينية وعدم التأثير سلبيًا على الجهود المبذولة في ضمان حق العودة”.

بيد أن هذا التبرير لا يصمد أمام حقيقتين: الأولى أن اللاجئ الفلسطيني له وضعه الخاص المختلف عن أي لاجئ آخر، ومن المعروف بأن تمتعه بجنسية أي دولة في العالم لا يتعارض مع حقه في العودة، والثانية أنه يسري على كل النساء الأردنيات حتى وإن كن متزوجات من جنسيات أخرى غير الجنسية الفلسطينية.

الواقع لا يأبه بالتحفظ

على أية حال، رغم تحفظ الحكومة، عاش أحمد حمودة حياة يصفها بأنها “طبيعية جدًا” في الأردن، يتحدث اللهجة الأردنية كأي أردني آخر، ما جعل من الصعب على زملائه في المدرسة أن يصدقوا بأنه ليس مثلهم في المرحلة الإعدادية، عندما بدأ يدفع رسومًا مختلفة وكان له ملف ذو لون مختلف عنهم.

ومن ثم عندما طلبت المدرسة أرقامهم الوطنية في المرحلة الثانوية، لم يكُن له رقم ليُمليه، فبدأ في هاتين المرحلتين بالرد على أسئلة من قبيل “ولكنك مصري الجنسية، ما الذي تفعله هنا؟” وقد تعب من تكرار الشرح لأنهم “لا يعرفون بأن الواحد منا مولود في البلاد، يعيش هنا، حياته هنا، هو ليس وافداً.. بما أنني من مواليد البلاد، فأنا لست بجديدٍ عليها، أنا تربيت ونشأت فيها، ولم آتِ من الخارج بهدف تحويل المال”.

بعد أن أنهى دراسته، ودخل سوق العمل، لم يعُد يعيش حياة “طبيعية جداً”، كما في طفولته، فالأمر أعقد من مجرد الحديث باللكنة المحلية، ومعرفة الناس والأماكن وحفظها عن ظهر قلب. هُناك دوريات للشرطة لا تعنيها اللكنة، وحتمًا سيواجه مشكلة لو لم يظهر وثيقة تعريفية، أي وثيقة، سواء أكانت هوية الأحوال المدنية التي يحملها الأردنيون، أو جواز السفر الذي يحمله الأجانب، ولكن لا يُمكن أن تواجه أفراد الدورية بشرحٍ يطول حول أسباب عدم امتلاك أي من هاتين الوثيقتين. 

أصبح أحمد يحفظ أماكن توقف الدوريات في طريقه من وإلى العمل، ويعرف كيف يتفاداها، فيترجل من وسيلة النقل قبل نقطة وقوف الدورية، ويُكمل المسافة سيرًا على الأقدام لكي يتفادى السؤال، مرة، واثنتين، وثلاث، وأكثر. يذكر بأن دورية الشرطة أوقفت أخاه الأصغر سنًا لأنه لم يكُن يملك هوية، ومن ثم طُلب من والدته أن تأتي لتتكفله وتخرجه من المركز الأمني، ومن ثم أجبروا في حينه على إصدار تصريح عمل له بأثر رجعي، ما كلف العائلة مبلغًا كبيرًا يتجاوز الألف دينار (أي ما يُعادل أكثر من 1400 دولار) في حينه. بعد أن أرهقته محاولات تفادي الدوريات، التي أثرت أيضًا على عمله الذي يتطلب التنقل بين الورش طوال اليوم، قرّر أخيرًا أن يستسلم للأمر الواقع، ويحصل على تصريح عمل. هكذا قبل بالتعريف القانوني الذي تضعه له الدولة، وأصبح “وافداً”!

على الرغم من هذه الصعوبة، إلا أنه لم يُفكر بخيار السفر إلى مصر، التي زارها مرة واحدة في حياته لحضور عزاء أحد أقاربه، وذلك لوضعه الخاص، فهو أكبر أشقائه وكان عليه مساندة والده في تأمين مصاريف دراستهم. بحسب تعبيره، “كانت علاقاتنا في الأردن جيدة، نعرف أشخاصاً يستطيعون توظيفنا بفضل السمعة والأمانة وغيرها الكثير”، إضافة إلى أن والدته كانت ترغب بالاستقرار في بلدها.

توريث التحديات

يعترف أحمد بأنه عندما أراد الزواج، كان يواجه بالرفض من قبل بعض العائلات لكونه من جنسية أخرى، ويعزو هذا الرفض إلى صورة نمطية راسخة عند أهالي الفتيات، تفترض بأن هذا الزوج الأجنبي سيعود لا محالة إلى بلد والده الأصلي، ويترك زوجته أو لربما لن يروا ابنتهم ثانية. بأحسن الأحوال، لو بقي في الأردن، فسيواجه أطفال الثنائي مشاكل عديدة بسبب عدم امتلاكهم للرقم الوطني، فسمع “ما في نصيب” أكثر من مرة إلى أن التقى بزوجته الحالية، التي وُلدت لأم أردنية هي الأخرى وأب من قطاع غزة، تُشاركه نفس الماضي والحاضر والمصير، باختلافات طفيفة مردها اختلاف الجنسية الأصلية.

في عام 2008، وافقت على الارتباط به وتزوجا، ليُنجبا أربعة أطفال، توفيت منهم طفلة بعد ولادتها، فذكرتهما بأنهما، في الحياة وفي الوفاة، “أجانب”، إذ بلغت فاتورة المستشفى 2500 دينار لأنها أجنبية!

عن طريق الصدفة، اهتدى أحمد لصفحة على الفيسبوك، كانت قد أنشأتها الناشطة الأردنية الراحلة نعمة الحباشنة، التي كانت هي الأخرى متزوجة من غير أردني، وتُطالب بمساواتها بالرجل الأردني ومنحها الحق في توريث جنسيتها لأبنائها. متأثرًا بقصتها، وبقصته، بما حدث معها، وما عاشه هو، بدأ أحمد يُشارك برفقة عائلته في الاعتصامات التي تنظمها الحملة التي قادتها الحباشنة، والتي حملت اسم “أمي أردنية وجنسيتها حق لي”، على أمل أن يجدوا حلًا.

وبعد سنوات من الاعتصامات والضغط الشعبي والنيابي، وافقت الحكومة على منح أبناء وبنات الأردنيات المتزوجات من أجانب ما أسمته “تسهيلات” أو “مزايا”، على اعتبار بأنهم ليسوا أجانب تمامًا، ويحق لهم ما لا يحق لأجنبي آخر كونهم مولودين لأمهات أردنيات، فأصدرت قرارًا في عام 2014 يقضي بمنحهم تسهيلات في مجالات الصحة والتعليم والعمل والإقامة والتملك والاستثمار ورخص القيادة، ولكنها لم تمنحهم الجنسية، وكانت حريصة على بيان الحدود التي لا يمكنهم تجاوزها. لهم بعض الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية، وإن كانت منقوصة، وليس لهم الحق في المطالبة بالجنسية أو الحقوق السياسية، هكذا كانت الرسالة الضمنية التي سعت إلى إيصالها.

لا يُنكر أحمد بأنه استفاد قليلًا من هذه المزايا، إذ أصبح يحمل بطاقة أبناء الأردنيات، فاستطاع أن يستخرج رخصة قيادة، وإن كان يجب عليه تجديدها كل عام وليس كل عشرة أعوام مثل الأردني، ويحتاج إلى موافقة أمنية لاستخراجها أيضًا. كما أعفي من تصاريح العمل، فلم يعُد بحاجة للوقوف في طوابير طويلة، ودفع مبلغ 85 دينارًا لإجراء الفحص الطبي، وأصبح قادرًا على إبراز الهوية “بعين قوية” لأي شرطي يوقفه في الطريق. بيد أنه لا يستفيد منها في قطاع الصحة، مثلاً، لأن قرار المزايا يفيد بمعاملة ابن الأردنية معاملة الأردني غير المؤمن في المستشفيات الحكومية حتى سن 18 عامًا، وبما أنه تجاوزه، فالبطاقة لا تقدم له شيئًا عند شباك المحاسبة في أي مستشفى حكومي.

باختصار ما فعلته البطاقة كان “ممتازًا” في مجالات محددة، على حد وصفه، ولكنها، رغم ذلك، لا تحوله إلى “بني آدم طبيعي”، لا سيما وأن أي مزايا تقدم له، ببساطة، لا يُمكن أن تقدم لأبنائه، كونهم لا يُعدوا من أبناء الأردنيات. يدفع أحمد رسوم الأجنبي لابنه في المدرسة والمستشفى الحكوميتين، ولا يشفع له أنه مولود لأب أمه أردنية ولأم أمها أردنية، فوالده على الورق أجنبيًا، وأمه أجنبية، لتظل الجنسية عالقة عند الجدتين، ويُقال لهما بأن الابن في هذه الحالة يتبع “جده لأبيه”.

عندما تفكر في وضع الأطفال ومستقبلهم، يقول أحمد بأن زوجته تتساءل، أحيانًا، إن كان قد أخطأ الاختيار، فلربما كان عليه الزواج من أردنية لكي يتفادى الأطفال هذا المصير. لربما لن يحصلوا على الجنسية الكاملة، ولكنهم سيستفيدون على الأقل من “المزايا”، وإن كانت منقوصة. يُدرك أحمد بأن مشكلة ابنة الأردنية لها حل معروف، إذ بإمكانها أن تتزوج من أردني، فلا يواجه أطفالها المشكلة ذاتها، وتحصل هي على الجنسية بعد ثلاث أو خمس سنوات بحسب جنسيتها الأصلية، ولكن ابن الأردنية سيظل على حاله.

بعبارة أخرى، تُحل مشكلة المرأة من أبناء هذه الفئة عندما تُصبح تابعة لرجل أردني، أما ابن الأردنية، فليتزوج من يشاء، فإما سيُصبح أطفاله أجانب من الدرجة الأولى يحظون بخدمة تفضيلية و”مزايا”، أو سيصبحون أجانب تمامًا، ولكنهم أبدًا لن يصيروا مواطنين، وبطبيعة الحال يظل هو خارج المعادلة! 


عن الكاتبة

لينا شنك، كاتبة وصحفية أردنية مهتمة بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان

Leave a Reply