·

من فزّاعةِ الحربِ الأهليَّة إلى حتميّةِ الدَّولةِ

ليس أخطرَ على المجتمعاتِ المُنهَكَةِ من الأزماتِ من أن تُدارَ مخاوفُها بدلَ أن تُدارَ شؤونُها. في لبنانَ، لم يعدِ التهويلُ بالحربِ الأهليّةِ مجرّدَ خطابٍ عابرٍ أو زلّةَ لسانٍ سياسيٍّ، بل تحوّلَ إلى أداةٍ مُمنهَجةٍ لتعطيلِ العقلِ العامِّ، وتبريرِ العجزِ، وتأجيلِ الاستحقاقِ الأساسيِّ. استحقاقِ الدَّولةِ السيّدة. حين تعجزُ السّياسةُ عن إنتاجِ حلولٍ، تُستحضَرُ الفزّاعاتُ، وحين يُفلِسُ المشروعُ، يُستثمَرُ الخوفُ.

غيرَ أنّ هذا التهويلَ، مهما تكرّرَ، لا يعكسُ قوّةً ولا قراءةً واقعيّةً، بل يكشفُ هشاشةً عميقةً في المقاربةِ، وارتباكًا في الأداءِ، وإفلاسًا في الخيالِ السّياسيِّ. الحربُ الأهليّةُ، في معناها التّاريخيِّ والاجتماعيِّ، ليست شبحًا يُستحضَرُ بالخطابِ، بل نتيجةَ انهيارٍ شاملٍ في العقدِ الاجتماعيِّ، وتعطيلٍ ممنهجٍ للمؤسّساتِ، وانسدادِ الأفقِ أمامَ العدالةِ والمواطنةِ. أمّا استعمالُها اليومَ كوسيلةِ تخويفٍ، فليس سوى مراهقة سياسيّةٍ تُسيءُ إلى ذاكرةِ اللُّبنانيّين/ات ووعيِهم، وتُفرغُ السّياسةَ من معناها الأخلاقيِّ والوطنيِّ.

لقد اختبرَ اللُّبنانيّون/ات الحربَ وعرفوا كلفتَها، ولا يحتاجونَ إلى من يُذكّرُهم بجحيمِها. ما يحتاجونَه هو دولةٌ تحميهم، ومؤسّساتٌ تعملُ، وحوكمة تعترفُ بحقوقِهم بدلَ أن يبتزَّهم بمخاوفِهم. لذلكَ، فإنّ التهويلَ بالحربِ الأهليّةِ لا يحمي السِّلمَ الأهليَّ، بل يُضعفُه، لأنّه يُعيدُ إنتاجَ منطقِ المتاريسِ في لحظةٍ يُفترضُ أن تكونَ لحظةَ تفكيكِها نهائيًّا.

في المقابلِ، وفي هذه اللحظة التاريخية على المستوى الجيو-سياسي، ورغم كلّ العوائق، يتقدّمُ مسارُ قيامِ دولةِ المواطنةِ في لبنانَ، لا بوصفِه شعارًا إنشائيًّا أو أمنيّةً مُعلَّقةً، بل كحاجةٍ وطنيّةٍ باتت تفرضُ نفسَها بضغطِ الواقعِ ومنطقِ الدُّستورِ. الدَّولةُ ليست خيارًا بينَ خياراتٍ، ولا تسويةً ظرفيّةً قابلةً للتأجيلِ، بل شرطُ العدالةِ والسّيادةِ والاستقرارِ. وكلُّ محاولةٍ للقفزِ فوقَها، أو استبدالِها بتوازناتٍ هشّةٍ أو ولاءاتٍ فوقَ القانونِ، لا تُنتجُ إلّا مزيدًا من الانهيارِ والقلقِ والانقسامِ.

إنّ أخطرَ ما في بعض الخطابِ السّياسيِّ اللُّبنانيِّ ما فوق-الدّولتيّ اليومَ ليس حدّتَه، بل لا عقلانيّتَه. بدلَ إدارةِ الخلافِ ضمنَ أطرٍ دستوريّةٍ ومؤسّساتيّةٍ، يجري الاستثمارُ في الانفعالِ، والتشنّجِ، والتخويفِ. وبدلَ تحويلِ الاختلافِ إلى تنافسٍ مشروعٍ، يُحوَّلُ إلى تهديدٍ وجوديٍّ. هكذا تُفرَّغُ السّياسةُ من وظيفتِها كفنٍّ لإدارةِ الشّأنِ العامِّ، وتتحوّلُ إلى أداةِ استنزافٍ للمجتمعِ والدَّولةِ معًا.

عقلنةُ السَّرديّةِ السّياسيّةِ ليست ترفًا فكريًّا، بل شرطًا لحمايةِ السِّلمِ الأهليِّ وبناءِ الدَّولةِ في آنٍ. العقلنةُ لا تعني إنكارَ الخلافاتِ أو تمييعَها، بل إدارتَها ضمنَ قواعدَ واضحةٍ، ومؤسّساتٍ شرعيّةٍ، وخطابٍ يُسمّي الأشياءَ بأسمائِها من دونِ شيطنةٍ أو تحريضٍ. الدَّولةُ لا تُبنى بالصّراخِ، ولا تُحمى بالتهديدِ، بل بتراكمِ الثِّقةِ، واحترامِ الدُّستورِ، وتحمّلِ المسؤوليّاتِ.

في هذا السّياقِ، يصبحُ التلويحُ بانفراطِ العقدِ الاجتماعيِّ تحتَ سقفِ الدُّستورِ مفارقةً خطيرةً. الدُّستورُ لم يكن يومًا سببَ الأزماتِ في لبنانَ، بل الإطارَ النّاظمَ لإدارتِها. هو المرجعيّةُ الوحيدةُ القادرةُ على تحويلِ النِّزاعِ إلى آليّاتِ حلٍّ سلميّةٍ، والاختلافِ إلى تنافسٍ مشروعٍ. أمّا القفزُ فوقَه أو التشكيكُ فيه، فلا يعكسُ قوّةً، بل خوفًا من دولةِ المواطنةِ، وعجزًا عن الالتزامِ بقواعدِها.

لبنانُ، بتعدّديّتِه وتنوّعِه، لا يمكنُ أن يستقيمَ إلّا ضمنَ دولةٍ مدنيّةٍ دستوريّةٍ، تحتضنُ اختلافاتِه داخلَ وحدةِ القانونِ. الإصرارُ على منطقِ الاستثناءِ، أو التمسّكُ بخياراتٍ فوقَ الدَّولةِ، لا يحمي أيَّ جماعةٍ، بل يُضعفُ الجميعَ. السّيادةُ لا تُجزَّأُ، والشرعيّةُ لا تُستعارُ، والدَّولةُ إمّا أن تكونَ كاملةَ الصّلاحيّاتِ أو لا تكونَ.

إنّ اللّحظةَ الرّاهنةَ هي لحظةُ اختيارٍ لا لبسَ فيها. ليست لحظةَ حربٍ، بل لحظةَ خطابٍ. إمّا خطابٌ يُعيدُ إنتاجَ الخوفِ ويُطيلُ عمرَ الانهيارِ، وإمّا خطابٌ يُواجهُ الحقيقةَ بشجاعةٍ، ويضعُ مسارَ الدَّولةِ فوقَ الحساباتِ الضيّقةِ. الخيارُ الثّاني وحدَه يفتحُ أفقًا واقعيًّا للخروجِ من الأزمةِ، لأنّه ينطلقُ من الاعترافِ البسيطِ بأن لا خلاصَ خارجَ الدَّولةِ، ولا عدالةَ بلا شرعيّةٍ، ولا استقرارَ بلا دستورٍ مُطبَّقٍ.

من هنا، فإنّ حتميّةَ دولةِ المواطنةِ ليست شعارًا أخلاقيًّا ولا ترفًا نخبويًّا، بل ضرورةٌ تاريخيّةٌ تتقدّمُ رغمَ الضجيجِ. قد يتعثّرُ هذا المسارُ، وقد يتأخّرُ، لكنّه لن ينكسرُ لأنّه مرتبطٌ بحاجاتِ المجتمعِ العميقةِ الأمنِ، والعدالةِ، والكرامةِ، وتكافؤِ الفرصِ. وكلُّ محاولةٍ لتعطيلِه عبرَ التخويفِ أو الإنكارِ، إنّما تُراكمُ أسبابَ الانفجارِ بدلَ أن تمنعَه.

مفادُ القولِ إنّ لبنانَ لا يقفُ اليومَ على حافّةِ حربٍ، بل أمامَ اختبارِ نضجٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ. إختبار الانتقالِ من سياسةِ الفزّاعاتِ إلى سياسةِ الدَّولةِ. من منطقِ المتاريسِ إلى منطقِ المؤسّساتِ. من الانفعالِ إلى العقلنةِ. ومن الّلادولةِ إلى دولةِ المواطنةِ السّيّدةِ الحُرّةِ العادلةِ المستقلّةِ. هذا هو الرّهانُ الوحيدُ الممكنُ، وكلُّ ما عداه دورانٌ في حلقةِ الخوفِ.

الدكتور زياد الصّائغ

زياد الصّائغ هو زميل أوّل دوليّ في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة والمدير التّنفيذي لملتقى التأثير المدني

Leave a Reply

Discover more from The Asfari Institute for Civil Society & Citizenship

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading