في ديسمبر 8102، اندلعت في السودان موجة احتجاجات شعبية عارمة، بدأت شرارتها في مدينة عطبرة احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردية وارتفاع أسعار الخبز، لتتحول سريعاً إلى مطالب بإسقاط نظام عمر البشير الذي حكم البلاد بقبضة حديدية لثلاثة عقود. وفي أبريل 9102، أُطيح بالبشير على يد الجيش، في خطوة رأى فيها كثيرون استجابةً للضغط الشعبي، وإن ظلت السلطة في قبضة العسكر. أعقب ذلك مرحلة انتقالية هشة تقاسمت فيها السلطةَ قوى الحرية والتغيير، وهو تحالف مدني واسع ضمّ أحزاباً معارضة وتجمعات مهنية وناشطين، وقاد التفاوض مع الجيش للتوصل إلى الوثيقة الدستورية في أغسطس 9102، من جهة، ومن جهة أخرى الجيش وقوات الدعم السريع، وهي قوة شبه نظامية تعود جذورها إلى ميليشيات الجنجويد التي وظّفها البشير في حرب دارفور، وظلت رغم إدراجها في المنظومة الأمنية الرسمية قوةً موازية للجيش تتمتع باستقلالية واسعة في القيادة والتمويل، يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي” الذي راكم ثروة طائلة من عائدات الذهب ونفوذاً سياسياً جعله منافساً حقيقياً للجيش على السلطة. غير أن هذه المرحلة لم تصمد طويلاً؛ إذ أطاح انقلاب أكتوبر 2102 بالحكومة المدنية، ليُعيد تركيز السلطة في يد العسكريين مجدداً.
وفي أبريل 3202، انفجر التوتر المتراكم بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي الذي تمحور حول ثلاثة ملفات: ملف دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي الذي رفضه حميدتي لأنه يعني تقليص نفوذه، والتنافس على عائدات الذهب في دارفور، والصراع على السلطة السياسية في مرحلة ما بعد الانتقالية، مما أدى إلى حرب مفتوحة بين الطرفين، طالت نيرانها العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة من البلاد، ولا تزال مستعرة حتى اليوم في سنتها الرابعة، مخلّفةً عشرات الآلاف من القتلى، وملايين المهجَّرين، وأزمة إنسانية كارثية تُصنَّف من بين الأشد وطأةً في العالم.
في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 84 مليون نسمة قبل اندلاع الحرب، كان أكثر من ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر، مع هشاشة اقتصادية عميقة وتفاوتات اجتماعية متراكمة. لكن بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد هذه الأرقام تعكس الواقع، بل تبدو كأنها تنتمي إلى زمن آخر. اليوم، يحتاج ما يزيد عن 03 مليون سوداني وسودانية إلى مساعدات إنسانية، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وقد أُجبر نحو 41 مليون شخص على النزوح. من بين هؤلاء، يعاني الملايين من النزوح داخل البلاد، فيما اضطر آخرون، رغم الصعوبات الجسيمة، إلى العبور نحو الدول المجاورة. فضلاً عن ذلك، يواجه ما يقارب نصف السكان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع توثيق حالات مجاعة صريحة في بعض المناطق. وفي خضم انهيار المنظومة الصحية وشبه الانعدام التام للخدمات الأساسية، باتت الأمراض المعدية تتفشى بصورة مقلقة، مما يعني أن الموت لا يأتي بالرصاص وحده، بل يطرق الأبواب أيضاً عبر الجوع والمرض والإهمال.
والمؤلم أن هذه الحرب ليست استثناءً في تاريخ السودان المعاصر، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأزمات المتجذرة والانكسارات المتكررة. فمنذ الاستقلال، عاش السودان تحت وطأة النزاعات الداخلية والانقلابات العسكرية المتعاقبة، والتهميش المزمن لأطرافه وهوامشه، مما هيّأ بيئة مشحونة قابلة للانفجار في أي لحظة. غير أن ما يطرح اليوم أشد التساؤلات إلحاحاً ليس مجرد تكرار هذه المآسي، بل عجز العالم وربما عدم رغبته في التدخل الفعّال لوقفها، أو حتى للحدّ من تداعياتها.
والأشد إيلاماً أن هذا الإخفاق ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لسجل طويل من الجمود الدولي إزاء النزاعات والفظائع في شتى أرجاء العالم. نعيش هذه الأهوال اليوم في الزمن الحقيقي، نشاهدها في مقاطع الفيديو، ونقرأ عنها في التقارير الآنية، وندرك تفاصيلها بصورة لم تكن متاحة للأجيال السابقة. ومع ذلك، لم يواكب هذا التقدم في الوعي أي تطور موازٍ في القدرة على الفعل أو تغيير المسار. بل لعلنا باتت لدينا قدرة أكبر على مشاهدة المعاناة، وقدرة أقل على وقفها.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال التفاوت الصارخ في القيمة المُولاة للحياة الإنسانية عبر أرجاء العالم. فحياة الإنسان في السودان لا تحظى بالاهتمام الكافي أو الاستجابة الملائمة، إن لم تكن تفتقر إليهما كلياً. لم نشهد حتى الآن تلك التعبئة الدولية السريعة، ولا تلك التدفقات الدقيقة للمعلومات، ولا ذلك التحليل المستفيض لكل خسارة في الأرواح. يبدو أن المأساة السودانية تُختزل في أرقام تقريبية مجردة، بلا أسماء، ولا حكايات، ولا محاسبة حقيقية.
هكذا يجد السودان نفسه اليوم عند مفترق أزمتين: أزمة الدولة ما بعد الاستعمارية بكل هشاشتها السياسية والاجتماعية، وأزمة منظومة دولية لم تكن يوماً قادرة على الوفاء الكامل بالتزاماتها. وإن كانت هذه المنظومة قد نجحت في العقود الماضية أحياناً في احتواء النزاعات دون أن تحلّها، فإنها تبدو اليوم تعتريها الهشاشة والعجز عن إدارة النزاعات الدولية والحد من الخسائر البشرية.
على هذه الخلفية، يغدو النظر في الحالة السودانية ضرورة لا غنى عنها، ليس فقط لفهم ما يجري داخل حدودها، بل لتسليط الضوء على اختلالات أعمق وأشمل في بنية النظام الدولي وعلاقته بالجنوب العالمي. لهذا كله، بات من الضروري التوقف وتفكيك تاريخ الهشاشة البنيوية للسودان، سياسياً واجتماعياً، واستيعاب الظروف التي جعلت الحرب احتمالاً دائماً وقائماً.
في الآن ذاته، لا يكفي التحليل على مستوى الدولة أو المنظومة الدولية وحده. نقترح أن ننظر إلى التجربة الإنسانية المباشرة. فالحرب تُقاس أيضاً بما تُخلّفه على أجساد النساء اللواتي يحملن أعباءً مضاعفة من العنف الجنسي والاستغلال، وبما تسرقه من مستقبل الأطفال المحرومين/ات من التعليم والمدفوعين نحو مسارات من التهجير والحرمان قد تمتد آثارها عبر الأجيال. وهي تتجلى كذلك في الأزمة الإنسانية المركّبة التي يعيشها السودانيون يومياً في ظل شُح الغذاء والماء، وانهيار الرعاية الصحية، وانعدام أي شكل من أشكال الأمان.
هذه السلسلة من المقالات هي محاولة لفهم أعمق لسياق الأزمة في السودان وأبعادها. في المقالات القادمة، سنتناول بالتفصيل المحاور الرئيسية التالية: تحليل الهشاشة البنيوية التي سبقت اندلاع الحرب، واستكشاف تجارب التهجير واللجوء، ودراسة الأبعاد الجنسانية للنزاع وأثره على التعليم ومستقبل الأجيال القادمة، وصولاً إلى قراءة معمّقة للأزمة الإنسانية المركّبة. والهدف ليس الوصف والسرد فحسب، بل بناء فهم نقدي يضع السودان في سياقه المحلي والدولي، ويُمهّد الأرض لحوار أكثر جوهرية وعمقاً حول ما ينتظرنا في الأفق.
إسلام الربيعي
إسلام الربيعي باحث متخصص في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. يشمل عمله توثيق حقوق الإنسان، والتحليل السياسي، وبرامج المجتمع المدني. وهو حاصل على درجة الماجستير في حقوق الإنسان والدمقرطة من جامعة القديس يوسف في بيروت. وقد شغل مناصب في عدد من المؤسسات، من بينها مركز عدالة للحقوق والحريات، ومعهد الأصفري في الجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة تولين، وغيرها. تتناول كتاباته التحليلية مجموعة واسعة من الديناميات السياسية في العالم العربي، بما في ذلك السلطوية وقمع الدولة، والجغرافيا السياسية الإقليمية، والعدالة الانتقالية


