قد تكون المواطنة واحدة من أكثر المفاهيم والممارسات تعقيداً من حيث التعريف في لبنان، وهو بلد يتسم بالتنوع والانقسام في آن واحد. ورغم أن المواطنة محددة بوضوح في الكتب المدرسية والدستور، فإنه من غير المرجح أن يتفق لبنانيان على تعريف معنى المواطنة بالنسبة لهما بالطريقة ذاتها تماماً. وإذا كان للبنان أن يخرج يوماً من أزماته المتعددة والمستفحلة – سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ظ فلا بد من التعامل مع التربية على المواطنة ليس كشأن تعليمي عابر، بل كأولوية وطنية ملحة. إن التوافق على إعادة تصور جماعي لمعنى المواطنة هو شرط لا غنى عنه لإعادة بناء حياة عامة مشتركة في مجتمع أنهكته الانقسامات.
لفترة طويلة جداً، فُهِمت التربية المدنية بعبارات ضيقة وسطحية وإجرائية. إذ يُعلَّم طلاب المدارس كيف يُفترض أن تعمل المؤسسات العامة، وما هي الحقوق المكفولة رسمياً، وما هي المسؤوليات القانونية التي يُتوقع من المواطنين الوفاء بها. ربما بدا هذا النموذج كافياً في الماضي. أما اليوم، وبعد حروب عديدة ومع تجذر نظام طائفي مثير للانقسام، فإن هذا النموذج لم يعد عديم الفائدة فحسب، بل أصبح ضاراً أيضاً. في عصر يتسم بالعولمة، والتضليل الإعلامي، والتدهور الاقتصادي والمناخي، والعسكرة، وتزايد انعدام المساواة، لم يعد من الممكن تدريس المواطنة وكأن الواقع المحلي معزول عن الديناميكيات العالمية. إن أزمات لبنان لا توجد في فراغ، ويحتاج الطلاب الشباب إلى مجموعة من الأدوات التي تسمح لهم بتحديد علاقتهم بدولتهم وبالأنظمة العالمية.
لهذا السبب، يعد التحول من التربية المدنية التقليدية إلى “تعليم المواطنة العالمية” أمراً حاسماً وضرورياً. ولا يضعف هذا النهج الانتماء إلى البلد (سواء كان بلد المنشأ أو البلد المضيف). بل على العكس من ذلك، يتيح تعليم المواطنة العالمية للطلاب تقدير وتجربة كيف تترابط العدالة والاستدامة والمشاركة عبر الحدود. والأهم من ذلك، أنه يدعو إلى فهم مختلف لديناميكيات السلطة. فالمواطنة ليست مجرد طاعة أو ولاء للمؤسسات، بل هي تنمية لما وصفه المربي باولو فريري بـ “القوة من الداخل”، و”القوة مع الآخرين”، و”القوة على الفعل”، أي الوعي بالذات كعامل تغيير، والقدرة على العمل الجماعي، والقدرة على التأثير في الهياكل التي تشكل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
قلة من الأماكن تُظهر الحاجة الملحة لهذا التحول بوضوح أكثر من لبنان. لطالما كافحت الدولة اللبنانية لخلق إطار وطني موحد، ولا يتجلى هذا الفشل في أي مكان أكثر مما يتجلى في قطاع التعليم. لقد أنتج النظام السياسي الطائفي التاريخي في لبنان مشهداً تعليمياً مجزأً، حيث غالباً ما تنقل المدارس الرسمية والخاصة والدينية سرديات وروايات متضاربة حول الهوية والتاريخ والانتماء. وبدلاً من إعداد مواطنين يعتبرون أنفسهم جزءاً من مجتمع سياسي مشترك، فإن النظام غالباً ما يعيد إنتاج الولاءات الموروثة والشك وانعدام الثقة المتبادل.
وقد ازداد هذا التشظي سوءاً بسبب الانهيار العميق للثقة في المؤسسات العامة. إن الفساد والدمار الاقتصادي وفشل الدولة أمور أقنعت الكثير من اللبنانيين، وخاصة الشباب، بأن السياسة الرسمية لا تقدم سوى القليل من الأمل. الأزمات التي تفاقمت بعد عام 9102 لم تؤدِ فقط إلى إفقار الأسر اقتصادياً، بل أضعفت أيضاً الإيمان بفكرة الدولة ذاتها كمنظم شرعي للحياة الجماعية. في مثل هذا المناخ، تخاطر المواطنة بأن تصبح كلمة جوفاء.
ومع ذلك، فإن هذا هو بالضبط سبب أهمية التواصل. فالتواصل ليس أمراً هامشياً في المواطنة، بل هو بالأحرى أحد أسسها. في المجتمعات المنقسمة، لا يرث الناس الاختلافات السياسية فحسب، بل يرثون قصصاً عن بعضهم البعض تتشكل – للأسف – بدافع الخوف، والصور النمطية، والذاكرة الانتقائية، والإقصاء، وغالباً الكراهية. لذلك، يصبح التواصل الاستراتيجي والتربية الإعلامية (محو الأمية الإعلامية) أدوات تعليمية أساسية. فهي تساعد في تفكيك سرديات الكراهية، وخلق مساحة للحوار بين الثقافات، وتشجيع طرق أكثر شمولاً لتصور الأمة.
لقد قدم لبنان بالفعل لمحات عما يمكن أن يبدو عليه هذا الأمر. خلال ثورة 9102، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً يفوق مجرد تداول الشعارات؛ لقد خلقت لحظات من التواصل عبر الخطوط الطائفية وأبرزت هوية مدنية بديلة ترتكز على المظالم والطموحات المشتركة. وبغض النظر عن مدى قِصَر تلك اللحظة أو عدم اكتمالها، فقد أظهرت أن لغة سياسية أخرى ممكنة. لقد أظهرت أن المواطنين اللبنانيين يمكنهم التحدث مع بعضهم البعض ليس فقط كأبناء طوائف، ولكن كمشاركين في نضال مشترك من أجل الكرامة والمساءلة والحقوق والعدالة.
لكن اللحظات الرمزية ليست كافية. إذا أُريد للتربية على المواطنة في لبنان أن تكون ذات مغزى، فيجب دمجها في استراتيجية أوسع للتحول.
ولا يمكن إطلاق هذا التحول إلا من خلال إصلاح قوي وتقدمي للمناهج الدراسية. لا يمكن لبلد أن يبني مواطنة ديمقراطية وهو يدرّس تواريخ مجزأة وأساطير انتماء متنافسة. يحتاج لبنان إلى سردية تعليمية لا تمحو الاختلاف والتجارب الحياتية المتنوعة، بل تضع القيم المشتركة والحياة المدنية المشتركة في صميمها. في الوقت نفسه، يجب تدريب المعلمين للتعامل مع القضايا الخلافية بثقة وانفتاح. فلا يمكن لأي منهج أن ينجح إذا تُرك المعلمون غير مجهزين لتوجيه الخلافات ومسائل الهوية والصراع داخل الفصول الدراسية.
يجب أيضاً أن تصبح التربية الإعلامية أولوية تعليمية أساسية. ينشأ الشباب في بيئات معلوماتية مشبعة بالتلاعب، والمعلومات الخاطئة والمضللة، وخطاب الكراهية، والرسائل الحزبية. لم يعد تعليمهم كيفية التقييم النقدي لوسائل الإعلام أمراً اختيارياً، بل هو أمر محوري لتكوين مواطنين قادرين على إطلاق الأحكام بدلاً من مجرد القيام بردود فعل.
وبنفس القدر من الأهمية تأتي مشاركة الشباب. لا يمكن للطلاب تعلم الديمقراطية في مؤسسات لا يملكون فيها صوتاً مسموعاً. إذا كان لبنان يسعى لبناء مواطنين فاعلين، فيجب عليه خلق فرص حقيقية للشباب لممارسة المشاركة من خلال المجالس الطلابية، والمبادرات المحلية، ومساحات صنع القرار التي تعاملهم كمساهمين وليس كمتلقين سلبيين.
المواطنة هي تجربة حية ولا يمكن تدريسها من خلال التلقين. المنهجيات النشطة والتكرارية هي الأساس. إن التعلم القائم على المشاريع، والتعلم الخدمي، والمحاكاة، ولعب الأدوار، والبحث الإجرائي التشاركي، كلها وسائل تنقل التربية على المواطنة إلى ما هو أبعد من التجريد. فهي تسمح للطلاب بالانخراط في مشاكل حقيقية، والتشاور مع الآخرين، واختبار ما تستلزمه الممارسة الديمقراطية على أرض الواقع. من خلال هذه الأساليب، تتوقف الديمقراطية عن كونها فصلاً في كتاب وتصبح ممارسة حية للمسؤولية والتعاطف والعمل الجماعي.
إنها عملية طويلة الأمد، معقدة، وربما مؤلمة. تظل العقبات الهيكلية في لبنان قائمة على مستوى التجذر الطائفي القاسي، وضعف المؤسسات، وانعدام المساواة، والاستقطاب السياسي العميق. كل هذه العوامل تقف في طريق الإصلاح. ومع ذلك، فإن الاستسلام لهذه الحقائق سيكون الخيار الأكثر خطورة على الإطلاق. التربية على المواطنة ليست مثالية ساذجة، بل هي استثمار عملي في إمكانية تحقيق مستقبل أكثر تماسكاً وديمقراطية.
ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد منهج دراسي أفضل، بل التزام متجدد بالفكرة القائلة بأن التعليم يمكن أن يساعد في تحويل مسار البلاد. يجب أن يأتي هذا الالتزام من المعلمين والآباء والمؤسسات الإعلامية وصناع السياسات والمجتمع المدني على حد سواء. وبدون مثل هذا التحالف، ستبقى المواطنة مجرد خطاب. ولكن بوجوده، يمكن أن تصبح قوة تكوينية.
إن التربية على المواطنة هي فعل أمل وإيمان بأنه، من خلال الأدوات الصحيحة للتواصل والتفكير النقدي والمشاركة، يمكن للمواطنين المساعدة في بناء مجتمع أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة. وفي عالم يكتنفه الغموض بشكل متزايد، لا يستطيع لبنان تحمل كلفة التعامل مع هذا الأمل كخيار ثانوي.
المراجع
UNESCO. (2015). Global Citizenship Education: Topics and Learning Objectives.
Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. Herder and Herder.
Makdisi, U. (2000). The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. University of California Press.
Karam, J. G., & Majed, R. (Eds.). (2022). The Lebanon Uprising of 2019: Voices from the Revolution. Bloomsbury Publishing.
World Bank. (2021). Lebanon Economic Monitor: The Great Denial.
أنطوان أبرص
الدكتور أنطوان أبرص هو مستشار للشؤون الثقافية والأكاديمية وتحليل الإعلام في سفارة إسبانيا في لبنان، ومربٍّ وأستاذ في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف . يحمل شهادة دكتوراه في القيادة وإدارة الموارد البشرية. يعمل على تعزيز المبادرات الثقافية والأكاديمية بين إسبانيا ولبنان، إلى جانب مساهماته في الحوكمة المؤسسية، وتحليل الإعلام، والإدارة الاستراتيجية للتعليم العالي. شغل مناصب أكاديمية عدّة، من بينها رئاسة قسم اللغة الإسبانية في الجامعة اللبنانية، كما يتعاون بشكل فاعل مع معهد ثربانتس في بيروت. وهو أيضًا المؤسس المشارك والمدير الاستراتيجي لمجموعة ATSIV PUORG، حيث ساهم في تطوير مناهج وأساليب دولية في مجالي التعليم والرياضة.

