Site icon The Asfari Institute for Civil Society & Citizenship

الجرأة الأخلاقية شرط إنقاذ الدولة في لبنان

لا يُصان لبنان بوصفه وطناً، ولا تُستعاد فكرة الدولة فيه، إلا عبر خيار واحد لا بديل عنه: الجرأة الأخلاقية في تطبيق الدستور كاملاً، نصاً وروحاً، بلا انتقائية، وبلا اجتهادات ملتوية، وبعيداً عن ثقافة تدوير الزوايا التي راكمت الانهيار وشرعنته. 

الدستور ليس نصاً رمزياً يُستحضَر في الخطابات، ولا مرجعاً يُستدعى عند الحاجة ثم يُهمَل عند التعارض مع المصالح. هو عقد تأسيسي ملزم، يحدّد طبيعة الدولة، ويضبط توزيع السلطة، ويؤسّس لسيادة القانون. أي خروج عنه، تحت أي ذريعة، هو فعل سياسي متعمّد، لا خطأ تقني ولا سوء تقدير. 

المعضلة اللبنانية ليست نقصاً في النصوص، بل فائضاً في التلاعب بها. التذاكي السياسي، وتجهيل المخالفات، والتعامي المقصود عن الانتهاكات، حوّلت الدستور إلى مساحة تفاوض بدل أن يكون مرجعية حاكمة. هكذا استُبدلت القواعد بالتسويات، والمساءلة بالمسايرة، والسيادة بالمقايضة. 

الجرأة الأخلاقية التي يحتاجها لبنان اليوم لا تعني المغامرة، ولا القفز في المجهول. تعني العكس تماماً: العودة إلى الأساس. أن يُقال إن ما يخالف الدستور مرفوض، مهما كان مرتكبه، ومهما كانت كلفته السياسية. أن يُعاد تعريف الوطنية باعتبارها التزاماً بالقانون، لا قدرة على التحايل عليه. 

هذه الجرأة لا يمكن أن تصدر عن قوى أسيرة حساباتها الشخصية أو طموحاتها السلطوية. هي فعل أولئك المتحررين من منطق الغنيمة، ومن وهم إدارة الانهيار بدل مواجهته. أولئك الذين لا يرون في الدولة أداة نفوذ، بل إطاراً جامعاً للحقوق والواجبات. 

من دون هذه الجرأة، تسقط الفواصل بين الخصومة والتواطؤ. تتحوّل “اللقاءات الوطنية” إلى مساحات لتذويب المسؤوليات، وتصبح الضحكات العابرة غطاءً لتفريغ السيادة من معناها. عندها، لا يعود الانتهاك استثناءً، بل قاعدة، ولا تعود الدولة هدفاً، بل تفصيلاً مؤجلاً. 

السياسة العامة في لبنان تحتاج إلى إعادة ضبط بوصلة. الأولوية ليست في إنتاج تسويات جديدة، بل في وقف النزف الدستوري. ليس في إعادة توزيع الحصص، بل في إعادة الاعتبار للمرجعية. ليس في إدارة التوازنات، بل في ترسيخ مفهوم الدولة السيّدة العادلة المستقلة 

العودة إلى الدستور ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل شرط إنقاذ عملي. من دونه، لا إصلاح مالياً يستقيم، ولا قضاء يستقل، ولا إدارة تُبنى، ولا ثقة تُستعاد. كل مسار إصلاحي يبدأ من الاعتراف بأن الدولة لا تُدار خارج نصّها المؤسِّس. 

لبنان لا يحتاج إلى أعراف جديدة، بل إلى احترام ما كُتب. لا يحتاج إلى وسطاء بينه وبين دستوره، بل إلى مسؤولين يملكون الشجاعة لتطبيقه. هناك، فقط هناك، يكمن الخلاص الحقيقي، وتبقى نافذة الفرصة مفتوحة قبل أن تُقفل نهائيا!

الدكتور سيمون كشر

مدير مؤسس مرصد الحوكمة الرشيدة والمواطنة وأستاذ في قسم العلوم السياسية والإدارة العامة في الجامعة الأمريكية في بيروت. يحمل الدكتور كشر درجة البكالوريوس والماجستير في الإدارة العامة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية.

Exit mobile version