Site icon The Asfari Institute for Civil Society & Citizenship

لبنان 2026: نحو دستوريّة الدَّولة

دخلَ لُبنانُ عامَ 2025 وهو مُثقَلٌ بانهيارٍ شاملٍ، لم يعُد يُختَزَلُ في أزماتٍ ماليّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو اجتماعيّةٍ متراكمةٍ، بل تَكشَّفَ على حقيقتِه بوصفِه أزمةَ إصلاح سياديّ وسيادة إصلاحيَّة بإمتٍياز. فقد أظهر هذا العامُ، بما لا يَقبلُ الشَّكَّ، أنّ الخللَ القائمَ لم يعُد ناتجًا عن سُوءِ إدارةٍ أو ضعفِ سياساتٍ عامَّة، بل عن تعطيلٍ منهجيٍّ للنَّصِّ الدُّستوريِّ، وتحويلِ الاستثناءِ إلى قاعدةٍ، والدُّستورِ إلى مرجعيّةٍ انتقائيّةٍ تُستحضَرُ عند الحاجةِ، وتُهمَلُ عند الاستحقاقِ، حتَّى قِيلَ فيهَا أنَّها تتكيَّف مع الظُّروف. التَكيُّف مَقتَلَة وتوَاطُؤ

في بدايَة عام 2025 إنطَلَق مسَار وَقفِ تفريغ الرِّئاسَة الأولى، وإنهاء ازدواجيّةُ القرارِ السِّياديِّ، وانطلقت اللِّحمَة بين الدَّولةِ والمجتمعِ، وتوسَّعت الثِّقةُ الدّاخليّةُ والدّوليّةُ بقدرةِ المؤسَّساتِ على النُّهوضِ بوظائفِها، من خِلال تشكيل حكومةٍ تمتلِكُ بالحدِّ الأدنى سِماتِ الإصلاح والسِّيادَة. لكنَّ فشل السُّلطةِ التَّشريعيّةِ، وتعطيلُ دورِ الرَّقابةِ البرلمانيّةِ، وضُعف انتظامِ العملِ الحكوميِّ رغم تبنّي خياراتٍ ترميميَّة، بَدَت كلُّها مؤشِّراتٌ على هشاشَة النِّظامِ البرلمانيِّ الدّيموقراطيِّ بوصفِه جوهرَ العقدِ الدُّستوريِّ. بالتوازي، تحوّلت الخدماتُ العامّةُ إلى مساحاتِ استنزافٍ، وتعمّقَ التفاوتُ الاجتماعيُّ، وتوسّعَ نزفُ الهجرةِ القسريّةِ للكفاءاتِ، فتراجعت قدرةُ المجتمعِ على الصُّمودِ، وتراجعت صورةُ الدولةِ باعتبارها ضامنًا للحقوقِ لا مُنتِجًا للحرمانِ

لكنَّ عام 2025 لم يكن عامَ محاولة بدء تصويب السِّياسات والمسارات فحسب، بل كان أيضًا عامَ الانكشافِ الأخيرِ. إمّا العودةُ إلى الدُّستورِ كمرجعيّةٍ سياديّةٍ إصلاحيّةٍ جامعةٍ، وإمّا الانزلاقُ إلى تفكُّكِ الدَّولةِ وتحويلِ الكيانِ إلى مساحةٍ هشّةٍ بلا ضوابطَ ولا أُفُقٍ. من هنا، لا يجوزُ قراءةُ عامَ 2026 بوصفِه امتدادًا زمنيًّا تقنيًّا، بل مرحلةً تأسيسيّةً لإعادةِ بناءِ الدَّولةِ الدُّستوريّةِ. ليسَ هذا من قبيلِ التّشخيصِ السَّلبيّ، بل تموضُعًا في واقِعيَّة تفترِضُها البراغماتيَّة البَنَّاءَة. فإذا أشارَ عامُ 2025 إلى وُعوُد قِيام دَولَة المُواطَنَة السيِّدة الحُرَّة العادِلة المُستقِلَّة ، فإنّ عامَ 2026 يُفتَرَض بأن يكونَ عامَ التحقُّق الدَّستوريِّ والسِّياديّ والسِّياسيِّ والإصلاحيِّ الشّاملِ، تمهيدًا لانتقالٍ منظَّمٍ نحو دستوريّةِ الدَّولةِ

التحدّي الأوّل يبقى دستوريًّا بامتيازٍ في إعادةُ الاعتبارِ للنَّصِّ الدُّستوريِّ بوصفِه مرجعيّةً مُلزِمةً غيرِ قابلةٍ للتَّعليقِ، أو التَّفسيرِ الانتقائيِّ، أو انتِظارِ الظُروفِ المُلائِمة. هذا يقتضي انتظامَ المؤسَّساتِ الدُّستوريّةِ واحترامَ المهلِ، وتحصينَ الدولةِ من منطقِ الصَّفقاتِ على حسابِ القواعدِ، وتفعيلَ المجلسِ الدُّستوريِّ ليقومَ بدورِه كحارسٍ للنَّصِّ، لا كهيئةٍ موسميَّة. يُقتضى أيضًا إعادةَ الاعتبارِ لمبدأِ الفصلِ بين السُّلطاتِ وتوازنِها، وتفعيلَ الرقابةِ النيابيَّة على الحكومةِ بوصفِها جوهرَ النظامِ البرلمانيِّ الديموقراطيِّ. من هُنا تكتَسِبُ الإنتِخابَات النِّيابيَّة 2026 بُعدًا بنيويًّا، إذ بَعدَها ومع إمكانيَّة تَشكيل غالِبيَّة سِيادِيَّة إصلاحِيَّة، لا بُدَّ من قِيام حُكومَةٍ فاعِلَة تُطلِقُ تطبيق اتِّفاق الطَّائِف بِبُنودِه الإصلاحِيَّة من تشكيل الهيئَة الوطنيَّة لإلغاء الطَّائِفيَّة (المادَّة 95). إلى إنفاذ اللَّامركزيَّة الإداريَّة المُوَسَّعة، فإنشاء مجلس شيوخ، وصِياغَة قانون انتِخابيّ عصريّ تمثيليّ عادِل، وتحقيق استِقلاليَّة القَضاء، وإعادَة تَفسير الدُّستور إلى المجلِس الدُّستوري. في هذا وَحدَهُ انطِلاقة تصويب مسار الدَّولة

أمّا التحدّي السِّياديُّ، فيبقى حجرَ الزَّاويةِ في أيِّ مسارٍ إصلاحيٍّ جدّيٍّ، إذ لا قيامَ لدولةٍ دستوريّةٍ في ظلِّ تعدُّدِ السِّلاحِ، ولا إمكانَ لإصلاحٍ ماليٍّ أو اقتصاديٍّ أو اجتماعيٍّ من دون حصر نهائيّ وكامٍل للسِّلاحِ بيدِ الدَّولةِ. سيادةُ الإصلاحِ تعني أنّ السِّيادةَ ليست شعارًا سياسيًّا، بل وظيفةً دستوريّةً تَفرِضُ وحدةَ القرارِ الأمنيِّ والعسكريِّ، وتَمنَعُ ازدواجيّةَ المرجعيّاتِ في السِّلمِ والحربِ. وهي تعني أيضًا بناءَ سياسةِ أمن قومي خاضعةٍ للسُّلطةِ المدنيّةِ، توازيًا مع سِياسةٍ خارجيّةٍ منسجمةٍ مع المصلحةِ الوطنيّةِ العُليا، وأمان الشَّعب اللُّبناني الإنساني.

في التحدّي الماليِّ، يُفترضُ الانتقالُ في العامّ 2026، من إدارةِ الخسائرِ إلى إصلاحٍ ماليٍّ قابلٍ للتحقّقِ بإقرار موازنةٍ واقعيّةٍ شفّافة، وإصلاح للجبايةِ يحدُّ من التهرّبِ ويُحقّقُ عدالةً ضريبيّةً، وضبط للإنفاقِ وفقَ أولويّاتٍ اجتماعيّةٍ وإنمائيّةٍ، وإعادةٍ هيكلةٍ الدينِ بما يَمنَعُ ترحيلَ الأزمةِ إلى الأجيالِ القادِمة. يوازي ذلكَ مقاربةٌ عادلةٌ لحقوقِ المودعين/ات تمنعُ تحويلَ الظُّلمِ إلى “واقعٍ نهائيٍّ” عبر نقاشٍ مُعَمَّق في قانون “الفجوة الماليَّة”، مع إعادةُ بناءِ القطاعِ المصرفيِّ على قواعدِ الحوكمةِ والمساءلةِ، وإقفال منافذِ الرَّيعِ السياسيِّ في الصفقاتِ والتَّلزيماتِ، وربط الإنفاقِ العامِّ بمؤشّراتِ أداءٍ قابلةٍ للقياسِ، بعيدًا عن مطبَّات التَّرقيع الموضعيَّة والمرحليَّة

إقتصاديًّا واجتماعيًّا يتبدَّى التحدّي في الانتقال من اقتصادِ الانهيارِ إلى اقتصادِ الإنتاجِ التكامُليّ مع الخدماتيّ. هذا يتطلَّب دعمَ القطاعاتِ المُنتِجةِ، وحمايةَ المُنافسةِ، وتحديثَ قوانينِ الاستِثمارِ، وإصلاحَ البُنى التحتيّةِ وعلى رأسِها الكهرباءُ والمياهُ والمرافئُ والاتصالاتُ، بما يخفّضُ كلفةَ الأعمالِ ويزيدُ الإنتاجيّةَ ويَفتحُ بابَ النموِّ. في المُقابلِ، لا بُدَّ من بناءِ شبكةِ أمانٍ اجتماعيٍّ مستدامةٍ مرتبطةٍ بقاعدةِ بياناتٍ وطنيّةٍ شفّافةٍ، وتفعيلِ برامجِ الحمايةِ الصحيّةِ والتعليميةِ، لأنّ الفقرَ ليس رقمًا فقط، بل هو تهديدٌ مباشرٌ للسلمِ الأهليِّ وللقدرةِ على إعادةِ بناءِ الثِّقةِ بين المواطنين/ات والدَّولة.

قانونيًّا وقضائيًّا، لا دستوريّةَ بلا قضاءٍ مستقلٍّ وفاعلٍ، على أنَّ تحريرَ القضاءِ من التدخّلِ السياسيِّ، وتحديثَ آليّاتِ التعييناتِ على قاعدةِ الكفاءةِ، وتحصينَ التفتيشِ القضائيِّ، وإقرارَ تشريعاتٍ تُعزِّزُ مكافحةَ الفسادِ وحمايةَ كاشفيهِ، وتفعيلَ أجهزةِ الرقابةِ الإداريةِ والماليةِ، تستمرُّ مستلزمات مؤسِّسَة للعدالة. كما أنّ إماطة اللِّثام عن القرار الظنِّي في جريمة تفجير مرفأ بيروت، تمثّلُ اختبارًا لقيامِ دولةِ القانونِ، لأنّ الحقيقةَ القضائيّةَ جزءٌ من الأمنِ الوطنيِّ ومن حقِّ الناسِ في العدلِ والإنصافِ.

تربويًّا وأكاديميًّا، لا نهضةَ من دون إعادةِ بناءِ المدرسةِ والجامعةِ كحاضنتين للمواطنةِ وللعقلِ النقديِّ. من هُنا فإنَّ تطويرَ التعليمِ الرسميِّ بالتَّكامُل التَّنسيقي مع القِطاع الخاصّ، وتثبيتَ معاييرِ الجودةِ، وتحديثَ المناهجِ بما يعزّزُ الثقافةَ الدستوريّةَ والتربيةَ على الحقوقِ والواجِباتِ والحريّاتِ، وإطلاقَ شراكاتٍ بحثيّةٍ تُنتجُ معرفةً سياساتيّةً قابلةً للتطبيقِ، كُلُّها عناصِر مُلِحَّة لا تَحتَمِل أي تأجيل أو مُساوَمَة. من هُنا يجب وصلُ التَّعليمِ بسوقِ العملِ وباقتصادِ المعرفةِ، لأنّ هجرةَ الكفاءاتِ نزيفٌ سياديٌّ يُضعِفُ قدرةَ لبنان على التجديدِ ويُفقِدُه رأسَ مالِه البشريِّ عصبُ كيانِه، وجوهر مِيزاتِه التَّفاضُلِيَّة.

دبلوماسيًّا، يحتاجُ لبنانُ إلى إعادةِ تعريفِ سياستِه الخارجيّةِ ضمنَ سياسة الحيادِ الإيجابيِّ. حيادٌ يحمي الدَّولةَ من التحوّلِ إلى ساحةٍ، ويؤسّسُ لدورٍ صانعٍ للسَّلامِ، ويستندُ إلى الشرعيّةِ الدوليّةِ والعربيّةِ، ويعيدُ انتظامَ العلاقاتِ على قاعدةِ المصالحِ المتبادلةِ واحترامِ السِّيادةِ. في هذا المسارِ، تصبحُ الدّبلوماسيّةُ الاقتصاديّةُ ضرورةً لجذبِ الاستثمارِ وربطِ لبنانَ بمساراتِ التعاونِ الإقليميِّ-الدَّوليّ، مع تثبيتِ مرجعيّةِ الدولةِ في التفاوضِ، وفي إدارةِ الملفاتِ الحدوديّةِ والمواردِ السياديّةِ.

وسطَ ذلك، تبرُز الانتخاباتُ النيابيّةُ (2026) مدخلًا حاسِمًا لتشكيلِ أغلبيّةٍ جديدةٍ تعيدُ الروحَ إلى النظامِ البرلمانيِّ الديموقراطيِّ، وتَسمَحُ بتشكيلِ حكومةٍ قادرةٍ على التنفيذِ العملانيّ، وتفعّلُ المساءلةَ والمحاسبةَ، وإنّ أيّ محاولةٍ لتأجيلِ الانتخاباتِ تحت أيّ مسمَّى أو تمييعِها، تُعدُّ ضربًا للدستورِ ولحقّ المواطنين/ات، بما يسمَح للمنظومةِ بتجدُّدٍ خبيث. أمّا نجاحُ الاستحقاقِ فيتطلّبُ إدارةً انتخابيّةً مستقلةً، وضماناتٍ للنَّزاهةِ، وتمكينَ الاغترابِ من المشاركةِ الفاعلةِ بوصفِه شريكًا كاملًا في القرارِ الوطنيِّ

إنّ كُلّ ما سَبَق، لا يكتَسِب فاعليَّته سِوى من خِلال إيصال لبنان بدءًا من العامّ 2026 إلى دولةً دستوريّةً، وذلِك بصياغة سياسةِ أمنٍ قوميٍّ واضحةِ المعالمِ، تجمَعُ بين السِّيادةِ والأمانِ الإنسانيِّ. أمنُ الدَّولةِ لا ينفصلُ عن أمانِ المواطن/ة. والسِّيادةُ لا تُختَزَل بحصريَّة السِّلاحِ وحدَها، بل تُقاسُ بقدرةِ الدولةِ على حمايةِ حياةِ شعبِها وحقوقِه وكرامتِه ومستقبلِه. سياسةُ الأمنِ القوميِّ المنشودةُ يجبُ أن تربطَ بين الأمنِ العسكريِّ، والأمنِ الاقتصاديِّ، والأمنِ الاجتماعيِّ، والأمنِ الغذائيِّ، والأمنِ البيئيِّ، والأمن الطَّاقويّ، والأمن الدبلوماسيّ، ضمنَ رؤيةٍ متكاملةٍ تُعيدُ الاعتبارَ لوظائفِ الدَّولةِ الأساسيَّة، وتُحقّقُ التَّكاملَ بين الإصلاحِ السِّياديِّ وسيادةِ الإصلاحِ

لبنانُ 2026 ليس تاريخًا على روزنامةٍ، بل هو موعِدٌ مع خيارٍ دستوريٍّ سياديٍّ سياسيٍّ واضِح. فإمّا دولةٌ تستعيدُ دستورَها ومؤسّساتِها ودورَها الحضاريَّ، وإمّا كيانٌ يُدارُ على هامشِ التاريخِ. القرارُ للمرّةِ الأخيرةِ، بيدِ اللبنانيّين/ات. إنَّها الفُرصَة الأخيرَة لليوم التَّالي الوَاعِد.

الدكتور زياد الصّائغ

زياد الصّائغ هو زميل أوّل دوليّ في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة والمدير التّنفيذي لملتقى التأثير المدني

Exit mobile version