نُقاوم لنُوجَد: في وجه الحكم التكنو-أوتوقراطي الصاعد
نعيش اليوم لحظةً انتقاليةً يُعاد فيها تشكيل العالَم من جذوره. المشهد يبدو مربكًا، تكتنفه الصراعات بين القوى الكبرى حول الحدود، الموارد، التوسّع، التكنولوجيا، والمناخ. في خضمّ هذا الانفجار العالمي، تتّضح ملامح مشروع سلطوي جديد يتخفّى خلف الحداثة والتقدّم التكنولوجي، لكنه في جوهره امتدادٌ لأنماط الحكم القمعية القديمة.
نحن أمام حكمٍ تكنو-أوتوقراطي يستند إلى تحالفات غير ديمقراطية بين المال، التكنولوجيا، والسلطة. هذا النمط من الحكم لا يستخدم القوة فحسب، بل يعتمد على تقنيات المراقبة والتحكّم بالمعلومة، ويعيد صياغة السرديات بما يخدم مصالحه.
هذه الأنظمة، رغم ما تبدو عليه من حداثة، تعيد استخدام أدوات قديمة: فرّق تسُد، تهميش الفئات الأضعف، وصناعة العدوّ الداخلي لتبرير السياسات القمعية، متّكئة على أدوات لا مثيل لها في التاريخ من حيث القدرة على الوصول إلى البيانات، التحكم في الموارد، وتوجيه الرأي العام.
ركائز هذا الانقلاب القيمي
- الفردانية المتوحشة: تروّج السرديات الجديدة لقيم “النجاح الفردي” و”الاستحقاق الشخصي”، متجاهلة الهياكل التي تعيق تكافؤ الفرص، وتُقصي جماعات بأكملها.
- الهيمنة على اللغة والسرديات: عبر السيطرة على ما يُقال وما يُمنَع قوله في الإعلام، والسياسات، والمجال العام. السيطرة على الخطاب أداة لإعادة تعريف ما هو مقبول أو مشروع.
- المعلومات كسلاح: يتم استخدام البيانات الشخصية ومراقبة النشاطات لتعقّب وملاحقة النشطاء والمجموعات المعارضة، في خرقٍ صارخٍ للخصوصية والحقوق الأساسية.
- ضرب سياسات التنوع والعدالة الاجتماعية: عبر مهاجمة مفاهيم العدالة والتعددية، تحت ذريعة “التمييز العكسي”، يتم تفكيك سياسات التمثيل الشامل لتُستبدَل بسرديات التراتب والكفاءة النخبوية.
- تعزيز النزعة القومية والانغلاق: من خلال رفض التنوع، وتشجيع السياسات التي تعيد إنتاج الانقسام والفرز المجتمعي، وتجعل من الآخر مصدر خطر دائم.
- التراجع البيئي: تتعمّد هذه الأنظمة تقويض الجهود البيئية لصالح مصالح اقتصادية قصيرة المدى، بما يهدّد مستقبل الكوكب.
- قمع الحريات: وخصوصًا حرية التنظيم، والاحتجاج، والتعبير، وتضييق المساحات المدنية في وجه أي صوت مستقل أو معارض.
ما العمل؟
لسنا أمام أزمة طارئة، بل أمام نمط حكم يراكم سلطته باستخدام أدوات شديدة الفعالية. ولهذا، لا بد من مواجهة طويلة النفس، تجمع بين التحليل الدقيق والتنظيم الذكي والاستراتيجيات المشتركة العابرة للحدود والقطاعات.
علينا أن نعي أن العالم السابق – رغم كل نواقصه – لم يكن عادلًا أو مثاليًا. المؤسسات التي كانت تدّعي تبنّي خطاب العدالة سرعان ما انقلبت، وتماهت مع الأنظمة الجديدة دون مقاومة تُذكر. لذا، فإن السعي يجب أن يكون ليس إلى استعادة الماضي، بل إلى تخيل عالم جديد تمامًا، عالم أكثر عدالة وتعددية وإنسانية.
نحو مقاومة ذكية وصلبة
من رحم هذا التحدّي، علينا أن نُفرز مقاومات محلية وإقليمية وعالمية، تتسم بالبراعة والمرونة، وتقوم على:
- التشبيك والتضامن
- تبادل الموارد والمعرفة
- التنظيم المجتمعي والسياسي
- الرعاية والسلامة النفسية والجسدية
الأهم هو نبذ الطهرانية في العمل الجماعي. اللحظة لا تحتمل النزاعات الهامشية، بل تستدعي تحالفات تقاطعية براغماتية قادرة على مواجهة المشروع السلطوي المتجدّد.
الختام
مرّت قرون من القمع والتهميش، لكننا ما زلنا هنا. لم نختفِ، ولن نختفي.
يريدون إقصاءنا من اللغة، فلنحضر فيها بقوة.
يريدون شرذمتنا، فلنتّحد.
يريدون محونا، فلنُبدع ونبني.
المرحلة المقبلة ليست فقط معركة من أجل البقاء، بل من أجل بناء واقع جديد.
فنّانٌ وكاتبٌ وناشطٌ نسويّ وعابرٌ مقيمٌ في بيروت.
ه.ه.

