Site icon The Asfari Institute for Civil Society & Citizenship

لبنان الدَّولة مُمكِنٌ بهويَّة وطنيَّة وأمن قومي

يعيش لبنان اليوم مرحلة إنتقاليّة دقيقة تكاد تختصر مسار أكثر من مئة عامّ من التحديات والتجارب المتناقضة. منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، مروراً بالاستقلال الأوَّل عام 1943، واتفاقيَّة القاهرة 1969، وحرب 1975، واتفاق الطائف عام 1989، والاحتلالين السّوري والإسرائيلي، والاستقلال الثاني 2005، وصولاً إلى انتفاضة 17 تشرين، وما تلاها من أزمات دستوريَّة، وسياسيَّة، وأمنيَّة، واقتصاديّة، وماليّة خانقة، منذها بقي السؤال الجوهريّ معلّقاً: أيّ دولة نريد؟ وأيّ هويّة وطنيّة جامعة، مع استراتيجيَّة أمن قومي يمكن أن تُعيد إلى لبنان مكانته ودوره في محيطه العربي والمجتمع الدولي؟

السّمات الانتقاليّة التي يعيشها لبنان اليوم تتجلّى أولاً في انطلاق مسار تفكّك المنظومة التقليديّة التي حكمت البلد لعقود. الطَّبقة السّياسية الرَّاسخة بدأت تفقد شرعيّتها الشعبيّة، والمؤسّسات الدّستوريّة المخطوفة تآكلت بفعل المحاصصة والفساد، والاقتصاد انهار تحت وطأة السّياسات الريعيّة والزبائنيّة والتحاصُصيَّة، فيما المجتمع اللّبناني يهاجر أو يتفتت بين الولاءات الطائفيّة والحزبيّة. في المقابل، يبرز حراك دولتيّ ومدني متجدّد يطالب بدولة سيّدة حرّة عادلة مستقلّة، حيث لا يكون الانتماء الطائفي أو المذهبي أو المناطقي معيار الهويَّة الوطنيَّة، بل الحقوق والواجبات في إطار دولة القانون والدّستور، وحيثُ لا شرعيَّة فوق الدَّولة. حيثُ قرار واحد، وجيش واحِد، وسلطة واحِدة. هذا الوعي الجديد، على الرغم من ضعفه التنظيمي يُرافقه عهدٌ رئاسيٌ جديد، وحكومة تأسيسيَّة بالبُعدين السِّيادي والإصلاحي، ما يشكّل بارقة أمل بأنّ لبنان دخل مرحلة بنيويَّة جديدة، تستند إلى عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدّولة، أساسُها المواطنة المحتضنة للتنوّع.

المعضلة الأعمق في لبنان لا تكمُن فقط في تشتت السِّيادة، أو قوننة الفساد، أو سوء الإدارة، بل تقع في غياب مفهوم المواطنة كهويّة وطنيّة جامعة. المواطن اللّبناني يجد نفسه منتمياً أولاً إلى طائفته أو حزبه، بينما تتراجع الدّولة إلى مرتبة المظلّة الشكليّة التي توزّع المنافع ولا تحمي الحقوق. هذا الخلل البنيوي أنتج أزمات متراكمة ووسَّع دائرة الاستِقطاب الطَّائفي المذهبي، وأدَّى إلى تعطيل المؤسّسات عند كل استحقاق، وكرَّس استدعاء الخارج لحسم النّزاعات الدّاخلية، ورسَّخ منطق القوى غير الدَّولتيَّة أو الزعامة فوق منطق الدّولة. من هنا، يصبح الأمن القومي للبنان مهدَّداً ليس فقط من سِماتٍ خارجيّة، بل من الدّاخل أيضاً. لا يمكن بناء أمن قومي من دون هويّة وطنيّة جامعة صلبة توحّد اللّبنانيين خلف الدّولة. المواطنة ليست مجرد شعار، بل هي استراتيجيّة أمن قومي، إذ تحدّد من هو المسؤول عن قرار الحرب والسّلم، ومعسكر الحلفاء، والخصوم، والأعداء، وهي التي تجعل السّلاح حكراً على المؤسّسات الشرعيّة، ناهيك عن تثبيت الحوكمة السَّليمة، والمساءَلة، والمُحاسبة، مع حُسن إدارة الموارد للخير العامّ. هي التي تحصّن لبنان ضد التفكّك والفوضى.

لبنان، الذي كان يوماً مركزاً للحوار العربي والدّولي، فَقَد الكثير من وزنه بفعل الارتهانات الخارجيّة والصّراعات الدّاخليّة. لكنّ استعادة هذا الدّور ليست حلماً بعيداً، بل خياراً استراتيجياً مرتبطاً بقدرة الدّولة على بلورة سياسة خارجيّة واضحة أساسها الحياد الإيجابي، الذي يعني عدم الانخراط في محاور إقليميّة أو دوليّة متصارعة، مع الحفاظ على التزام لبنان بالقضايا العربيّة والدَّوليَّة العادلة، ما يمكن أن يشكّل مدخلاً لإعادتِه إلى الخارطة الديبلوماسيّة العالميَّة. بدلاً من أن يكون ساحة صراع، يمكن أن يصبح مساحة لقاء وتوازن. هذا الحياد الإيجابيّ ليس انسحاباً من الفاعليَّة، بل هو تموضع ذكيٌّ يضمن استقرار لبنان الدّاخلي، ويعيد ثقة المجتمع الدّولي والعربيّ به شريكاً في الأمن والسَّلام العالميّين.

إنّ الرؤية للمستقبل تبدأ من استعادة الدّولة لوظيفتها السياديّة في قرار السّلم والحرب وحصريّة السّلاح. إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصاديّ أو محاربة فساد أو استقطاب استثمارات من دون دولة تمتلك قرارها وتفرض سلطتها على كامل أراضيها. الدّولة القويّة هي التي تحمي مواطنيها لا التي تحتمي بهم. وهي التي توحّد الجيش والقوى الأمنيّة كضامن وحيد للأمن، لا أن تترك السّلاح مشرّعاً في أيدي الجماعات والفصائل، من هُنا يتبدَّى قرار الحكومة اللّبنانيَّة في الخامس والسّابع من آب الجاري مفصليًّا. في المُقابِل، يستوجِب بناء مستقبل لبنان إعادة الاعتِبار لبنية العقد الاجتماعي الجامع لمكوّنات الشعب اللّبناني عبر إصلاح سياسي يترجم في قانون انتخابي عادل، ونظام قضائي مستقل، وإدارة عامّة كفوءة بعيدة عن المحاصصة. هذه الركائز ليست شعارات بل شروط وجودٍ، من دونها يبقى لبنان مجرّد كيان هشٍّ مهدّد بالانهيار المتكرر، أو التصدّعات المستمرَّة.

لبنان أمام مفترق طرق. إمّا أن يبقى رهينة الانقسامات الداخليّة والتجاذبات الخارجيّة، وإمّا أن يخطو بثبات نحو بناء دولة وطنيّة حديثة. الهويّة الوطنيّة الجامعة ليست ترفاً، بل هي شرط الأمن القوميّ. الحياد الإيجابي ليس وهماً، بل هو فرصة لتثبيت الاستقرار وإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والمجتمع الدّولي. إنّ لبنان الممكن هو لبنان الدّولة، دولة سيّدة حرّة عادلة مستقلّة، دولة المواطنة والقانون، دولة السّلام والازدهار. قد يكون الطريق طويلاً وشاقاً، لكنَّ البديل عن هذا الخيار هو استمرار الانهيار وتفجير الكيان نفسه. بين الدَّولة واللَّادولة البُوْصلة واضِحة، وهي العَودة إلى الدّستور.

الدكتور زياد الصّائغ

زياد الصّائغ هو زميل أوّل دوليّ في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة والمدير التّنفيذي لملتقى التأثير المدني

Exit mobile version