ظننت أنني تعافيت من ذكريات الحرب الأهلية، وأنني فقدت تلك المشاعر المختلطة بالألم والخوف وقلة النوم التي عانيت منها طيلة سنوات الحرب الأهلية عموماً وحرب التحرير خصوصاً. في الرابع من آب/أغسطس، كنت جالسة على مكتبي في شرفة مقززة في بيروت. سمعت هديراً ظننت أنه صوت سيارة عالقة في رمال الحديقة القريبة مني. التفت نحو النافذة. لم تكن هناك أي سيارة تتحرك، لكن الغبار والهدير اشتدا أكثر فأكثر، وسقطت عليّ أشياء من الرفوف خلفي. صرخت لأمي، وأنا أعلم أنها لن تسمعني.
كانت تجلس في مكانها المعتاد في الغرفة الأخرى. لم أستطع الحركة. أطاح دوي الانفجار بعكازيّ بالأرض، وكرسيي المتحرك كان بعيداً داخل الغرفة. ظننت أنه زلزال كبير يضرب بيروت. جاء الانفجار الثاني، فازداد خوفي أكثر. ظننت أن الانفجار كان بالقرب منا في الشارع. في تلك اللحظة تذكرت عام 1989 حين كنت في نفس المكان في البيت ولكن داخل الغرفة. صواريخ سقطت على بيت قديم قريب منا وعلى مبان أخرى. صوت الصواريخ والقذائف ما زال يرن في أذني. هربت عائلتي إلى الملجأ وبقيت جالسة وحدي على الأرض في الغرفة. لا أستطيع الوقوف منتظرةً صاروخاً أقرب ليسقط ويقتلني. أن تكون معاقاً في زمن الحرب والكوارث لعنة. منذ ذلك اليوم لم أعد أجلس على الأرض إطلاقاً.
نحن المعوقون وكبار السن أضعف المخلوقات في لحظات القصف والكوارث. لا نملك رفاهية الهروب السريع. أمي وأبي وكبار السن الآخرون الذين يشكلون أغلب سكان بيروت عاشوا ما عشته حينها. كم منهم استطاع الفرار أو الانتقال من مكان إلى آخر لتجنب الأجسام التي تساقطت فوق رؤوسهم؟ ما تعيشه بيروت اليوم مأساة عظيمة تفوق كل ما عاشته. الدولة غائبة بكل مكوناتها واستجابتها للكارثة بطيئة.
الدمار الهائل لم يطال محيط المرفأ فقط، بل طال بيروت كلها وامتد إلى ما هو أبعد منها لنكتشف في لحظة الكارثة أننا نعيش في بلد ومدينة ليس لديهما خطة طوارئ لمواجهة الكوارث الطبيعية، نحن بلد على خط الزلزال، ونعاني في الصيف من حرائق تلتهم الأخضر واليابس، وفي الشتاء من طرقات مقطوعة بالثلوج، إضافة إلى الحروب والغزوات التي عشناها. لم يتعلم أحد شيئاً من الماضي، لا من المعارك التي خاضوها ولا من الكوارث الطبيعية التي ضربت لبنان؛ وهذا بحد ذاته استهتار بالبلد وبنا كمواطنين. ورغم كل الهدر والإنفاق من المال العام، فإن المسؤولين يترددون في شراء المعدات أو تجهيز الطواقم البشرية للكوارث الطبيعية وغير الطبيعية. وتعتمد الدولة على المجتمع الدولي أولاً وثانياً على سرعة استجابة المجتمع المدني لكل الأزمات التي حلّت بنا، وخاصة منذ 17 تشرين الأول. فهل يستطيع المجتمع المدني معالجة أزمة بحجم كارثة “انفجار بيروت”؟ ما حصل هو تدمير منظومة متكاملة لمدينة قائمة بكل مقوماتها السكنية والعملية والاقتصادية. وفي جولة سريعة على شوارع بيروت لم يقم بها أي مسؤول حتى اليوم نرى الكثير من المعاناة. هنا رجل يصلح «بسطة خضرا» دمرها الانفجار. فهل يجرؤ العم صاحب «البسطة» على المطالبة بالتعويض؟ قد يغرّم لمخالفته القانون ببسطته. ورجل عجوز يصلح باب بيته، وهناك من في بيوتهم لا يستطيعون الخروج، وكثيرون غيرهم في كل أحياء بيروت، فقراء ومتوسطي الحال، في كل الأحياء والشوارع. كثيرون من المتضررين لا يعرفون كيف يطالبون بالتعويض المادي والمعنوي. كثيرون يخجلون من التسول بعد كل ما حصل لهم. أين الِفرق التي خصصتها الدولة لمسح الأضرار في كل بيروت وضواحيها؟ لا أتحدث عن الغذاء والدواء، فالحاجة أكبر بكثير من كرتونة طعام وعلبة دواء. أنا أتحدث عن إحياء مدينة فُجّرت بإهمال أو عمد أو تهور. بيروت بحاجة إلى خطة عملية للتعافي من “الانفجار”. تبدأ بمحاسبة كل من تسبّب بالانفجار، بغض النظر عن موقعه. مبدأ المحاسبة غائب منذ ما بعد الطائف، عندما استولت ميليشيات الحرب على السلطة في لبنان، بدلاً من محاسبتهم على ما ارتكبوه يومها بحق الشعب والبلد.
لهذا السبب، اليوم، يُقابل إصرارهم واستخفافهم بالمطالبة بالمحاسبة باتهامات كاذبة. حان الوقت لنحاسبهم على ما ارتكبوه بحقنا من قتل وتجويع وتهجير. معظم الناس، بعد انفجار بيروت، يميلون إلى “شنقهم”. ورغم أنني ضد عقوبة الإعدام، إلا أنني أطالب هذه المرة أيضًا بشنق كل من تسبّب بهذه الكارثة.
آمال شريف
HalTek مديرة الشركة

